الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٨ - نفور المعبودين من عابديهم
فمع أنّ محتوى هذه الآية يؤكّد ما عرضته الآيات السابقة إلّا أنّ هناك ما هو جديد من جهتين:
الاولى: أنّ الآية السابقة التي عرضت نفس المفهوم، كانت تتحدّث عن أموال و أولاد الكفّار، بينما الآية محلّ البحث باحتوائها على كلمة «عباد» تشير إلى المؤمنين، و المعنى أنّه حتّى فيما يخصّ المؤمنين فإنّه قد يتّسع الرزق- لأنّه الأصلح بالنسبة للمؤمن- و قد يضيق- لأنّ المصلحة تقتضي ذلك- على كلّ حال، فإنّ سعة و ضيق الرزق لا يمكن أن يشكّل دليلا على أي شيء.
الثّانية: الآية السابقة أشارت إلى سعة الرزق و ضيقه بالنسبة إلى مجموعتين مختلفتين، في حين أنّ هذه الآية تشير إلى حالتين مختلفتين بالنسبة لشخص واحد، حينا يتّسع رزقه و حينا يضيق.
إضافة إلى أنّ ما جاء في بداية هذه الآية هو في الحقيقة مقدّمة لما جاء في آخرها، و هو الترغيب في الإنفاق في سبيل اللّه.
جملة «فهو يخلفه» تعبير جميل يشير إلى أنّ ما ينفق في سبيل اللّه إنّما هو في الحقيقة تجارة وافرة الربح، لأنّ اللّه سبحانه و تعالى تعهّد بأن يخلفه، و نعلم أنّه في الوقت الذي يتعهّد فيه الكريم بأداء العوض فإنّه لا يراعي المقدار الذي يريد تعويضه، بل إنّه يعوّض بأضعاف مضاعفة، بل بمئات الأضعاف.
طبعا فإنّ هذا الوعد الإلهي لا ينحصر بالآخرة، فإنّ ذلك مسلّم به، و لكن في الدنيا أيضا فإنّه يخلف ما أنفق بمختلف البركات.
جملة هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ذات معنى واسع، و يمكن الإفادة منها من وجوه مختلفة.
هو خير من يعطي رزقا، لأنّه يعلم ماذا يعطي و إلى أي حدّ، بحيث لا يكون ما يعطيه عاملا للفساد و الغرور، لأنّه عالم بكلّ شيء.
هو يعطي أي شيء يريد أن يعطيه لأنّه قادر على كلّ شيء.