الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٥ - ١- ملاحظات هامّة في معركة الأحزاب
ج- إنّ مسألة حفر الخندق قد تمّت- كما نعلم- بمشورة «سلمان الفارسي»، و كانت هذه المسألة أسلوبا دفاعيا معتادا في بلاد فارس آنذاك، و لم يكن معروفا في جزيرة العرب إلى ذلك اليوم، و كان يعتبر ظاهرة جديدة، و كانت لإقامته في أطراف المدينة أهميّة عظيمة، سواء من الناحية العسكرية، أم من جهة إضعاف معنويات العدوّ و رفع معنويات المسلمين.
و لا توجد لدينا معلومات دقيقة عن صفات الخندق و دقائقه، فقد ذكر المؤرخّون أنّه كان من العرض بحيث لا يستطيع فرسان العدو عبوره بالقفز، و من المحتّم أنّ عمقه أيضا كان بالقدر الذي إذا سقط فيه أحد لم يكن يستطيع أن يخرج من الطرف المقابل بسهولة.
إضافة إلى أنّ سيطرة رماة المسلمين على منطقة الخندق كان يمكّنهم من جعل كلّ من يحاول العبور هدفا و غرضا لسهامهم في وسط الخندق و قبل عبوره.
و أمّا من ناحية الطول فإنّ البعض قد قدّره باثني عشر ألف ذراع (ستّة آلاف متر) استنادا إلى الرواية المعروفة التي تقول بأنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله كان قد أمر أن يحفر كلّ عشرة رجال أربعين ذراعا من الخندق، و بملاحظة أنّ عدد جنود المسلمين- طبقا للمشهور- بلغ ثلاثة آلاف رجل.
و لا بدّ من الاعتراف بأنّ حفر مثل هذا الخندق، و بالآلات البدائية المستعملة في ذلك اليوم كان أمرا مضنيا و جهدا، خاصّة و أنّ المسلمين كانوا في ضيق شديد و حاجة ملحّة من ناحية الزاد و الوسائل الاخرى.
و من المسلّم أنّ حفر الخندق قد استغرق مدّة لا يستهان بها، و هذا يوحي بأنّ جيش المسلمين كان قد قدّر و خمّن و توقّع التوقّعات اللازمة بدقّة كاملة قبل أن يهجم العدوّ بحيث أنّ حفر الخندق كان قد تمّ قبل ثلاثة أيّام من وصول جيش الكفّار.