الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٧ - الندم و طلب الرجوع
و يتبيّن ممّا قلناه أنّ المراد من «المجرمين» هنا الكافرون، و خاصّة منكري القيامة.
و على كلّ حال، فليست هذه المرّة الاولى التي نواجه فيها هذه المسألة في آيات القرآن، و هي أنّ المجرمين يندمون أشدّ الندم عند مشاهدة نتائج الأعمال و العذاب الإلهي، و يطلبون الرجوع إلى الدنيا، في حين أنّ مثل هذا الرجوع غير ممن في السنّة الإلهية، كما أنّ رجوع الطفل إلى رحم الأمّ، و الثمرة المقطوفة إلى الشجرة غير ممكن.
و الجدير بالذكر أنّ طلب المجرمين الوحيد هو الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا، و من هنا يتّضح جيّدا أنّ رأس مال النجاة الوحيد في القيامة هو الأعمال الصالحة .. تلك الأعمال التي تنبع من قلب طاهر مليء بالإيمان، و تتمّ بخالص النيّة.
و لمّا كان كلّ هذا الإصرار و التأكيد على قبول الإيمان قد يوهم عجز اللّه سبحانه عن أن يلقي نور الإيمان في قلوب هؤلاء، فإنّ الآية التالية تضيف: وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها.
فمن المسلّم أنّ اللّه تعالى يمتلك مثل هذه القدرة، إلّا أنّ الإيمان الذي يتحقّق و يتمّ بالإجبار لا قيمة له، و لذا فالمشيئة الإلهيّة أرادت أن ينال الإنسان شرف كونه مختارا، و أن يسير في طريق التكامل بحريته و إختياره، و لذلك تضيف في النهاية لقد قرّرت أن أخلق الإنسان مختارا وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.
أجل .. إنّ المجرمين سلكوا هذا الطريق بسوء اختيارهم، و لذلك فهم مستحقّون للعقاب، و نحن قد قطعنا على أنفسنا أن نملأ جهنّم منهم.
و بملاحظة ما قلناه، و بملاحظة مئات الآيات القرآنية التي تعتبر الإنسان موجودا مختارا ذا إرادة، و مكلّفا بتكاليف، و مسئولا عن أعماله، و قابلا للهداية