الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٣ - و هنا امور ينبغي الالتفات إليها
و الأرضون عن حملها إذا لم ينس مقامه و منزلته [١].
و تبيّن الآية التالية علّة عرض هذه الأمانة على الإنسان، و بيان حقيقة أنّ أفراد البشر قد انقسموا بعد حمل هذه الأمانة إلى ثلاث فئات: المنافقين و المشركين و المؤمنين، فتقول: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْمُشْرِكِينَ وَ الْمُشْرِكاتِ وَ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.
يوجد هناك احتمالان في معنى «اللام» في لِيُعَذِّبَ:
الأوّل: أنّها «لام الغاية» التي تذكر لبيان عاقبة الشيء و نهايته، و بناء على هذا يكون معنى الآية: كانت عاقبة حمل هذه الأمانة أن سلك جماعة طريق النفاق، و جماعة سبيل الشرك، و هؤلاء سيبتلون بعذاب اللّه لخيانتهم أمانته، و جماعة هم أهل الإيمان الذين ستشملهم رحمته لأدائهم هذه الأمانة و القيام بواجباتهم.
و الثاني: أنّها «لام العلّة»، فتكون هناك جملة مقدرة، و على هذا يكون تفسير الآية: كان الهدف من عرض الأمانة أن يوضع كلّ البشر في بوتقة الاختبار، ليظهر كلّ إنسان باطنه فيرى من الثواب و العقاب ما يستحقّه.
و هنا امور ينبغي الالتفات إليها:
١- إنّ سبب تقديم أهل النفاق على المشركين هو أنّ المنافق يتظاهر بأنّه أمين في حين أنّه خائن، إلّا أنّ خيانة المشرك ظاهرة مكشوفة، و لذلك فإنّ المنافق يستحقّ حظّا أكبر من العذاب.
٢- يمكن أن يكون سبب تقديم هاتين الفئتين على المؤمنين هو أنّ الآية
[١] اتّضح ممّا قلناه في تفسير الآية أن لا حاجة مطلقا إلى أن نقدر شيئا في الآية، كما قال ذلك جمع من المفسّرين، ففسّروا الآية بأنّ المراد من عرض أمانة اللّه على السماء و الأرض و الجبال هو عرضها على أهلها، أي الملائكة! و لذلك قالوا بأنّ أولئك الذين أبوا أن يحملوها قد أدّوها، و أولئك الذين حملوها خانوها.
إنّ هذا التّفسير ليس مخالفا لظاهر الآية من ناحية الاحتياج إلى التقدير و حسب، بل يمكن أن يناقش و يورد على اعتقاده بأنّ على الملائكة نوع تكليف، و أنّها حاملة لجزء من هذه الأمانة. و بغضّ النظر عن كلّ ذلك فإنّ تفسير أهل الجبال بالملائكة لا يخلو من غرابة، دقّقوا ذلك.