الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٦ - المنافقون في عرصة الأحزاب
و الروم، و أخبرني أنّ امّتي ظاهرة عليها، و أضاء لي في الثالثة قصور صنعاء، و أخبرني أنّ أمّتي ظاهرة عليها، فأبشروا» فاستبشر المسلمون.
فنظر المنافقون إلى بعضهم و قالوا: أ لا تعجبون؟ يعدكم الباطل و يخبركم أنّه ينظر من يثرب إلى الحيرة و مدائن كسرى و أنّها تفتح لكم، و أنتم لا تستطيعون أن تبرزوا؟ فأنزل اللّه: وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [١].
و الحقّ أنّ مثل هذه الأخبار و البشارات اعتبرها المنافقون في ذلك اليوم خدعة و غرورا، إلّا أنّ عين النّبي صلّى اللّه عليه و آله الملكوتية كانت قادرة على رؤية فتح أبواب قصور ملوك ايران و الروم و اليمن من خلال الشرر المتطاير من ذلك الحجر، و يبشّر هذه الامّة المضحّية التي حملت القلوب على الأكفّ، و يزيح الستار عن أسرار المستقبل.
و ربّما لا نحتاج إلى التذكير بأنّ المراد من الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هم المنافقون، و ذكر هذه الجملة توضيح في الواقع لكلمة «المنافقين» التي وردت من قبل، و أيّ مرض أسوأ و أضرّ من مرض النفاق؟! لأنّ الإنسان السليم الذي له فطرة إلهيّة سليمة ليس له إلّا وجه واحد، أمّا أولئك الذين لهم وجهان أو وجوه متلوّنة عديدة فإنّهم مرضى، حيث إنّهم مبتلون دائما بالاضطراب و التناقض في الأقوال و الأفعال.
و الشاهد لهذا الأمر ما ورد في بداية سورة البقرة في وصف المنافقين، حيث تقول: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً. [٢]
[١]
الكامل لابن الأثير، الجزء ٢، صفحة ١٧٩. و ورد هذا الحادث بتفاوت يسير في سيرة ابن هشام، و هو أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله قال: أمّا الاولى فإنّ اللّه فتح علي بها اليمن، و أمّا الثّانية فإنّ اللّه فتح عليّ بها الشام و المغرب، و أمّا الثالثة فإنّ اللّه فتح عليّ بها المشرق». و هذا الترتيب ينسجم مع التسلسل التاريخي لفتح هذه المناطق الثلاث.
[٢] البقرة، الآية ١٠.