الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٥ - الندم و طلب الرجوع
السحاب و المطر و العوامل الطبيعية الاخرى، و كوّنت الوجود الإنساني في النهاية، فأي داع للعجب من أن تجتمع و ترجع إلى حالها الأوّل بعد تلاشيها و تبعثرها؟! و تجيب الآية هؤلاء عن طريق آخر، فتقول: لا تتصوّروا أنّ شخصيتكم بأبدانكم و أجسامكم، بل بأرواحكم، و هي باقية و محفوظة: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.
إذا لا حظنا أنّ معنى «يتوفّاكم»- من مادة «توفّي» (على وزن تصدّي)، هو الإستيفاء، فإنّ الموت سوف لا يعني الفناء، بل نوع من قبض الملائكة لروح الإنسان التي تشكّل أهمّ من وجود الإنسان.
صحيح أنّ القرآن يتحدّث عن المعاد الجسماني، و يعتبر رجوع الروح و الجسم المادّي في المعاد حتميّا، إلّا أنّ الهدف من الآية أعلاه هو بيان أنّ هذه الأجزاء المادّي التي شغلتم بها فكركم تماما ليست هي أساس شخصيّة الإنسان، بل الأساس هو الجوهر الروحي الذي جاء من قبل اللّه تعالى و إليه يرجع.
و في المجموع يمكن أن يقال: إنّ الآيتين أعلاه تجيبان منكري المعاد بهذا الجواب: إذا كان إشكالكم في تفرّق الأجزاء الجسمية، فإنّكم تقرّون بقدرة اللّه سبحانه و لا تنكرونها، و إذا كان إشكالكم في اضمحلال و فناء شخصية الإنسان على أثر تناثر تلك الذرّات، فلا يصحّ ذلك لأنّ أساس شخصيّة الإنسان يستند إلى الروح.
و هذا الإيراد لا يختلف عن شبهة (الآكل و المأكول) المعروفة، كما أنّ جوابه في الموردين يشبه جواب تلك الشبهة [١].
و ثمّة مسألة ينبغي التوجّه إليها، و هي أنّ في بعض آيات القرآن نسب التوفّي
[١] لمزيد الإيضاح حول شبهة (الآكل و المأكول) و جوابها المفصّل راجع التّفسير الأمثل، ذيل الآية (٢٦٠) من سورة البقرة.