الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٦ - الندم و طلب الرجوع
إلى اللّه سبحانه: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها، [١] و في بعضها إلى مجموعة من الملائكة: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... [٢]. و في الآيات مورد البحث نسب قبض الأرواح إلى ملك الموت، إلّا أنّه لا منافاة بين هذه التعبيرات مطلقا، فإنّ لملك الموت معنى الجنس، و هو يطلق على كلّ الملائكة، أو هو إشارة إلى كبير الملائكة و زعيمها، و لمّا كان الجميع يقبضون الأرواح بأمر اللّه سبحانه، فقد نسب الفعل إلى اللّه عزّ و جلّ.
ثمّ تجسّد وضع هؤلاء المجرمين الكافرين و منكري المعاد الذين يندمون في القيامة أشدّ الندم على ما كان منهم لدى مشاهدة مشاهدها و مواقفها المختلفة.
فتقول: وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [٣].
ستعجب حقّا! أ هؤلاء النادمون الناكسو الرؤوس هم أولئك المتكبّرون العتاة العصاة الذين لم يكونوا يذعنون في الدنيا لأيّة حقيقة؟! إلّا أنّهم الآن يتغيّرون تماما عند رؤية مشاهد القيامة و يصلون إلى مستوى الشهود، لكنّ هذا الوعي و تغيير الموقف سريع الزوال، فإنّهم- و طبقا لآيات القرآن الاخرى- لو رجعوا إلى هذه الدنيا لعادوا إلى حالتهم الأولى، الأنعام/ الآية ٢٨.
«الناكس» من مادّة (نكس) على وزن (كلب) بمعنى انقلاب الشيء، و هنا يعني خفض الرأس إلى الأسفل و طأطأته.
تقديم «أبصرنا» على «سمعنا» لأنّ الإنسان يرى المشاهد و المواقف أوّلا، ثمّ يسمع استجواب اللّه و الملائكة.
[١] الزمر، ٤٢.
[٢] النحل، ٢٨.
[٣] (لو) في الآية الشريفة شرطية، شرطها جملة (و ترى ..) و جزاؤها محذوف، و التقدير: «و لو ترى إذ المجرمون ... لرأيت عجبا». و في جملة (ربّنا أبصرنا) حذف تقديره: يقولون ربّنا أبصرنا.