الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٨ - ٤- و قليل من عبادي الشكور
و الشكر ثلاثة أضرب: شكر القلب، و هو تصوّر النعمة. و شكر اللسان، و هو الثناء على المنعم، و شكر سائر الجوارح، و هو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها.
التعبير القرآني في الآية اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً يشير إلى أنّ الشكر أكثر من مقولة، إنّه «عمل»، و يجب أن يظهر من بين أعمال الإنسان، و عليه فقد يكون القرآن الكريم قد عدّ الشاكرين الحقيقيين قلّة لهذا السبب. و فضلا عمّا ورد في هذه الآيات فإنّ في الآية (٢٣) من سورة الملك، ذكر بعد تعداد بعض النعم الإلهية العظيمة، كخلق السمع و البصر و القلب، ذكر قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ، و كذا في الآية (٧٣) من سورة النمل ورد وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ. و هذا من جانب.
و من جانب آخر فمع الالتفات إلى أنّ الإنسان غارق من رأسه حتّى أخمص قدميه بنعم اللّه التي لا تعدّ و لا تحصى، كما عبّر عن ذلك القرآن الكريم وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها يتّضح لما ذا يمتنع الشكر كما ينبغي للّه قبال جميع النعم التي أفاضها الباري جلّ و علا.
بتعبير آخر، و كما ورد على لسان بعض كبار المفسّرين، فإنّ «الشكر المطلق»، هو أن يكون الإنسان على ذكر دائم للّه بلا أدنى نسيان، سائرا في طريقه تعالى بدون أيّة معصية، طائعا لأوامره بلا أدنى لفّ أو دوران، و مسلّم بأنّ هذه الأوصاف لا تجتمع إلّا في القلّة النادرة، و لا يصغى إلى قول من يقول: إنّه أمر بما لا يطاق، فإنّه ناشئ من قلّة التدبّر في هذه الحقائق و البعد من ساحة العبودية [١].
قد يقال: إنّ أداء حقّ الشكر للّه سبحانه و تعالى قضيّة معقّدة بلحاظ إنّه في الوقت الذي يقف فيه الإنسان في مقام الشكر و يوفّق لذلك، بأن تتوفّر لديه أسباب أداء الشكر، فإنّ ذلك بحدّ ذاته نعمة جديدة تحتاج إلى شكر آخر، و بذا يستمرّ هذا الموضوع بشكل متتابع، و كلّما بذل الإنسان جهدا أكثر في طريق الشكر سيكون مشمولا بنعمة متزايدة لا يمكنه معها أداء شكرها. لكن إذا انتبهنا أنّ أحد طرق أداء
[١] تفسير الميزان، ج ٤، ص ٣٨.