الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦١ - الأموال و الأولاد ليست دليلا على القرب من اللّه
بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى [١] لقد عمّ هذا الاشتباه الخطير بعضا من البسطاء، و تصوّروا بأنّهم ما داموا محرومين في الدنيا فهم مغضوب عليهم و مطرودون من رحمة اللّه، و هؤلاء المرفّهون هم المحبوبون المقبولون لديه.
ما أكثر المحرومين الذين امتحنوا بالحرمان، فنالوا أرقى الدرجات و المراتب الروحية.
و ما أكثر المرفّهين الذين أصبحت أموالهم و ثرواتهم وبالا عليهم و مقدّمة لعقابهم.
أليس قد ذكرت الآية (١٥) من سورة التغابن بصراحة إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَ اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
و لكن ليس معنى هذا هو حثّ الإنسان على ترك السعي و الدأب اللازم لإقامة الأود، بل المقصود هو التأكيد على أنّ امتلاك الإمكانات الاقتصادية و القوّة البشرية الواسعة لا يمثّل أبدا أيّة قيمة معنوية للإنسان عند اللّه.
ثمّ تتناول الآية موضوع المعيار الأصلي لتقييم الناس، و ما يسبّب قربهم منه (على شكل استثناء منفصل) فتقول: إِلَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [٢].
و عليه فجميع المعايير تعود أصلا إلى هذين الأمرين «الإيمان» و «العمل الصالح». و يستوعب هذا المعيار جميع الأفراد و في أي زمان أو مكان، و من أي طبقة أو مجموعة كان. و اختلاف مراتب البشر أمام اللّه إنّما هو بتفاوت درجات إيمانهم و مراتب عملهم الصالح، و لا شيء سوى ذلك. حتّى طلب العلم أو
[١] «زلفى» و «زلفة» بمعنى المنزلة و الحظوة (مفردات الراغب)، و لهذا السبب عبّر عن (منازل الليل) ب (زلف الليل)- و التعبير ب «التي» لأجل أنّه في كثير من الموارد يعود الضمير المفرد المؤنث إلى جمع التكسير، و عليه فلا حاجة إلى التقدير هنا.
[٢] التعبير ب «جزاء الضعف» من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة.