الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٧ - ٤- جاهلية القرن العشرين!
ارتكاب المعصية، بل إنّهم قادرون على إتيانها، غير أنّهم يعفّون أنفسهم و يجلّونها عن التلوّث بها باختيارهم، و يغضّون الطرف عنها طوعا، تماما كالطبيب الحاذق الذي لا يتناول مطلقا مادّة سمّية جدّا و هو يعلم الأخطار التي تنجم عن تناولها، و مع أنّه قادر على تناولها، إلّا أنّ علومه و اطلاعه و مبادئه الفكرية و الروحية تدفعه إلى الامتناع إراديا و اختيارا عن هذا العمل.
و يجب التذكير بهذه المسألة، و هي أنّ هذه التقوى موهبة خاصّة منحت للأنبياء لا للآخرين، لكن اللّه سبحانه قد منحهم إيّاها للمسؤوليات الثقيلة الخطيرة الملقاة على عاتقهم في قيادة الناس و إرشادهم، و بناء على هذا فإنّه امتياز يعود نفعه على الجميع، و هذه عين العدالة، تماما كالامتياز الخاصّ الذي منحه اللّه لطبقات العين و أغشيتها الرقيقة و الحسّاسة جدّا، و التي يستفيد منها جميع البدن.
إضافة إلى أنّ الأنبياء تعظم مسئولياتهم و واجباتهم بنفس المقدار الذي يتمتّعون بهذا المواهب الإلهية و الامتيازات، فإنّ ترك الاولى من قبلهم يعادل ذنبا كبيرا يصدر من الناس العاديين، و هذا معيار و تشخيص لخطّ العدالة.
و النتيجة أنّ هذه الإرادة إرادة تكوينية في حدود المقتضى- و ليست علّة تامّة- و هي في الوقت نفسه لا توجب الجبر و لا تسلب الإختيار و الإرادة الإنسانية.
٤- جاهلية القرن العشرين!
مرّت الإشارة إلى أنّ جمعا من المفسّرين تورّطوا في تفسير (الجاهلية الاولى) و كأنّهم لم يقدروا أن يصدّقوا ظهور جاهلية اخرى في العالم بعد ظهور الإسلام، و أنّ جاهلية العرب قبل الإسلام ضئيلة تجاه الجاهلية الجديدة، إلّا أنّ هذا الأمر قد تجلّى للجميع اليوم، حيث نرى مظاهر جاهلية القرن العشرين المرعبة، و يجب أن تعدّ تلك إحدى تنبؤات القرآن الإعجازية.
إذا كان العرب في زمان الجاهلية يغيرون و يحاربون، و إذا كان سوق عكاظ-