الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٣ - المدينة الراقية التي أضاعها الكفران
غَفُورٌ [١] [٢].
هذه الجملة القصيرة تصوّر مجموعة النعم المادية و المعنوية بأجمل تعابير، فبلحاظ النعم المادية أرض طيّبة خالية من الأمراض المختلفة، من السراق و الظلمة، من الآفات و البلايا، من الجفاف و القحط، من الخوف و الوحشة، و قيل خالية حتّى من الحشرات المؤذية.
هواء نقي، و نسيم يبعث على السرور، أرض معطاءة و أشجار وافرة الثمر.
و أمّا بلحاظ النعم المعنوية فمغفرة اللّه التي شملتهم، و التغاضي عن تقصيرهم، و صرف البلاء و العذاب عنهم و عن بلدتهم.
و لكن هؤلاء الجاحدين غير الشكورين. لم يقدّروا تلك النعمة حّق قدرها. و لم يخرجوا من بوتقة الامتحان بسلام، سلكوا طريق الإعراض و الكفران، فقرّعهم اللّه أيّما تقريع!! قال تعالى: فَأَعْرَضُوا استهانوا بنعمة اللّه، توهّموا بأنّ العمران و المدنية و الأمن أشياء عادية، نسوا اللّه، و أسكرتهم النعمة، و تفاخر الأغنياء على الفقراء، و ظنّوا أنّهم يزاحمونهم في أرزاقهم- كما سيرد في الآيات اللاحقة-.
و هنا مسّهم سوط الجزاء، يقول تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ فدمّر بيوتهم و مزارعهم و حوّلها إلى خرائب ..
«العرم»: من «العرامة» و هي شراسة و صعوبة في الخلق تظهر بالفعل، و وصف «السيل» بالعرم إشارة إلى شدّته و قابليته على التدمير. و تعبير «سيل العرم» من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة.
و قيل: «العرم» الجرذان الصحراوية، و هي التي سبّبت انهيار السدّ بنفوذها فيه
[١] «بلدة»: خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: هذه بلدة طيّبة و هذا ربّ غفور.
[٢] يمكن أن يكون هذا الخطاب الإلهي لهؤلاء القوم على أحد احتمالين، فإمّا أن يكون قد أبلغ ذلك بواسطة الأنبياء المبعوثين منهم، كما قال به بعض المفسّرين، أو أنّ هذه النعم كانت توصل إلى إدراكهم مثل هذا الخطاب.