الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٢ - ادّعاءات جوفاء
بناء على هذا فإنّ مفهوم الآية يصبح: إنّ أولي الأرحام أولى من الأجانب من ناحية الإرث، أمّا كيف يرث هؤلاء الأرحام؟ و على أي أساس و معيار؟ فإنّ القرآن سكت عن ذلك في هذا الموضع، مع أنّه بحث الموضوع مفصّلا في آيات سورة النساء [١].
٤- الحكم الرّابع الذي ورد في الآية أعلاه كاستثناء، هو استفادة و انتفاع الأصدقاء و الأفراد المعينين الذين يخصّهم الأمر من الأموال التي يتركها الإنسان كذكرى، و الذي بيّن بجملة: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً و مصداقه الواضح هو حكم الوصيّة، حيث يستطيع الإنسان أن يتصرّف في ثلث أمواله و يضعه حيث يشاء، أو يوصي به لمن يشاء.
و بهذا فإنّ الإسلام عند ما وضع أساس الإرث على دعامة القرابة و الرحم بدل الروابط و العلاقات السابقة، لم يقطع وشائج الصلة بين الإنسان و رفقائه الذين يعزّهم و باقي إخوته المسلمين تماما، فالإنسان حرّ في التصرّف في ماله من ناحية الكميّة و الكيفيّة، إلّا أنّ هذه الحرية مشروطة بأن لا تزيد على الثلث، و من الطبيعي أنّ الإنسان إذا لم يوص بشيء فإنّ كلّ أمواله تقسّم بين أقاربه و ذوي رحمه طبقا لقانون الإرث، و لا يترك له ثلث في هذه الحالة [٢].
[١] بناء على هذا، فإنّ استدلال بعض الفقهاء بهذا التعبير على أولوية طبقات الإرث بالنسبة إلى بعضها البعض لا يبدو صحيحا، و ربّما سبّب حرف الباء في (أولى ببعض) مثل هذا الاشتباه، فظنّوا أنّ المفضّل عليهم هنا هم البعض، في حين أنّ القرآن الكريم ذكر صريحا أنّ المفضّل عليهم هم من المؤمنين و المهاجرين.
نعم .. إنّ تعبير (أولو الأرحام) لا يستطيع أن يشعر بمفرده أنّ المعيار هو الرحم و القرابة، و أنّ درجة القرابة كلّما قويت و ارتفعت فستكون أحقّ بالتقدّم- لاحظوا ذلك-.
[٢] يعتقد جمع من المفسّرين أنّ الاستثناء في جملة (إلّا أن تفعلوا ..) استثناء منقطع، لأنّ حكم الوصيّة غير حكم الإرث، و لكنّا نعتقد أن لا مانع من أن يكون الاستثناء هنا متّصلا، لأنّ جملة (و أولو الأرحام ...) دليل على أن الأقارب أولى من الأجانب بالنسبة إلى الأموال التي يتركها الميّت، إلّا أن يكون قد أوصى، فإنّ الموصى له يكون حينئذ أولى من الأرحام في إطار الثلث، و هذا في الحقيقة شبيه بالاستثناءات التي وردت في آيات الإرث بصيغة (من بعد وصيّة ...).