الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٥ - يوم انتصارنا
الذين هلكوا من قبلهم يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ [١].
نقع مساكن «عاد» و «ثمود» المدمّرة، و مدن «قوم لوط» الخربة في طريق هؤلاء إلى الشام، و كانت هذه المساكن مقرّا و مركزا للأقوام الأقوياء المنحرفين، و طالما حذّرهم الأنبياء فلم يؤثّر فيهم ذلك، و أخيرا طوى العذاب الإلهي ملفّ حياتهم، و كان المشركون يمرّون على تلك الخرائب فكأنّ لكلّ بيوت هؤلاء و قصورهم المتهدّمة مائة لسان، تصيح بهؤلاء أن يتنبّهوا، و تبيّن لهم و تحدّثهم بنتيجة الكفر و الانحطاط، لكنّهم لم يعبئوا بها و يلتفتوا إليها، و كأنّهم فقدوا أسماعهم تماما، و لذلك تضيف الآية في النهاية: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ.
و تشير الآية التالية إلى أحد أهمّ النعم الإلهية التي هي أساس عمران كلّ البلدان، و وسيلة حياة كلّ الكائنات الحيّة، ليتّضح من خلالها أنّ اللّه سبحانه كما يمتلك القدرة على تدمير بلاد الضالّين المجرمين، فإنّه قادر على إحياء الأراضي المدمّرة و الميّتة، و منح عباده كلّ نوع من المواهب، فتقول: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ.
«الجرز» تعني الأرض القاحلة التي لا ينبت فيها شيء قطّ، و هي في الأصل من مادّة (جرز) على وزن (مرض) بمعنى «القطع»، فكأنّ النباتات قد اجتثّت من مثل هذه الأرض، أو أنّ الأرض نفسها قد قطعت تلك النباتات.
و الطريف هنا أنّه قد عبّر ب: (نسوق الماء) و هو إشارة إلى طبيعة الماء توجب- بحكم ثقله- أن يكون على الأرض و في المنخفضات، و بحكم كونه مائعا يجب أن ينزل إلى أعماق الأرض، إلّا أنّه عند ما يصله أمرنا يفقد طبيعته، و يتحوّل إلى بخار خفيف يتحرّك إلى كلّ الجهات بهبوب النسيم.
[١] ذكر أغلب المفسّرين في تفسير الآية ما ذكرناه أعلاه، إلّا أنّ البعض احتمل أن تكون جملة يَمْشُونَ بيانا لحال المهلكين، أي أنّ أولئك الأقوام كانوا في غفلة تامّة عن العذاب الإلهي، و كانوا يسيرون في مساكنهم و يتنّعمون بها، إذ أتاهم عذاب اللّه بغتة و أهلكهم. إلّا أنّ هذا الاحتمال يبدو بعيدا.