الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٨ - عشر صفات للّه سبحانه
الأرضية و السماوية مسخّرة و مطيعة له بأمر اللّه تعالى، و مع كلّ هذا التسخير فليس من الإنصاف أن يعصي اللّه سبحانه و لا يطيع أوامره [١].
و جملة كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إشارة إلى أنّ هذا النظام الدقيق لا يستمرّ إلى الأبد، بل إنّ له نهاية بانتهاء الدنيا، و هو ما ذكر في سورة التكوير: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ....
إنّ ارتباط جملة أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ بهذا البحث سيتّضح بملاحظة ما قلناه آنفا، لأنّ اللّه الذي جعل الشمس و القمر العظيمين خاضعين لنظام دقيق، و عاقب بين الليل و النهار بذلك النظام الخاصّ آلاف و ملايين السنين، كيف يمكن أن تخفى عليه أعمال البشر؟ نعم .. إنّه يعلم الأعمال، و كذلك يعلم النيّات و الأفكار.
و تقول الآية الأخيرة، كاستخلاص نتيجة جامعة كليّة ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [٢].
إنّ مجموع البحوث التي وردت في الآيات السابقة حول كون اللّه خالقا و مالكا، و عن علمه و قدرته اللامتناهيين، أثبتت هذه الأمور، و أنّ الحقّ هو اللّه وحده، و كلّ شيء غيره زائل و باطل و محدود و محتاج، و العلي و الكبير الذي يسمو على كلّ شيء، و يجلّ عن كلّ وصف، هو ذاته المقدّسة، و على قول الشاعر:
|
ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل |
و كلّ نعيم لا محالة زائل |
و يمكن إيضاح هذا الكلام بالتعبير الفلسفي كما يلي:
[١] كان لنا بحث مفصّل حول تسخير الشمس و القمر و الموجودات الاخرى للإنسان في ذيل الآية (٢) من سورة الرعد، و الآية (٣٢) من سورة إبراهيم.
[٢] «الباء» في (بأنّ اللّه هو الحقّ) بالرغم من أنّها تبدو في بادئ الأمر سببية، و ربّما اعتبر بعض المفسّرين كالآلوسي في روح المعاني مضمون هذه الآية سببا للمطالب السابقة، إلّا أنّ سياق الآيات و ذكر الصفات السابقة- أي الخالقية و المالكية و العلم و القدرة و علاماتها في عالم الخلقة- ظاهر في أنّها جميعا كانت شاهدة على هذه النتيجة، و بناء على هذا، فإنّ محتوى هذه الآية نتيجة للآيات السابقة لا سببا لها.