الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٩ - الأموال و الأولاد ليست دليلا على القرب من اللّه
المرفّهين طبعوا على مخالفة أنبياء الحقّ، فتقول الآية المباركة: وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ.
«نذير» من «الإنذار» و هو الإخبار الذي فيه تخويف، و إشارة إلى أنبياء اللّه الذين ينذرون الناس من عذاب اللّه في قبال الانحرافات و الظلامات و الذنوب و الفساد.
«مترفوها» جمع «مترف» من مادّة «ترف» بمعنى «التوسّع في النعمة» و (المترف) الذي قد أبطرته النعمة و سعة العيش. و أترفته النعمة أي أطغته [١].
نعم، فإنّ هذه الفئة المترفة الغافلة الطاغية كانت الصف المتقدّم من مخالفي الأنبياء عادة، لأنّهم يرون أنّ تعليمات الأنبياء تتضارب مع أمانيهم و أهوائهم من جهة، و لأنّ الأنبياء يدافعون عن حقوق المحرومين التي اغتصبها هؤلاء المترفين و نالوا هذا النعيم، من جهة ثانية، و لأنّهم دائما يستخدمون عامل التسلّط لحماية مصالحهم و أموالهم من جهة ثالثة، و الأنبياء يقفون قبالهم في كلّ هذه الحالات، لذا فإنّهم يهبّون فورا لمخالفة الأنبياء.
العجيب أنّهم لا يشيرون إلى حكم أو فقرة خاصّة ليخالفوها، بل إنّهم فورا و مرّة واحدة يقولون (نحن كافرون بكلّ ما بعثتم به) و لن نخطوا معكم خطوة واحدة، و هذا بعينه أحسن دليل على عنادهم و تعصّبهم إزاء الحقّ.
و قد كشف القرآن في آيات مختلفة عن مسألة مهمّة، و هو أنّ المحرومين هم أوّل من يلبّي دعوة الأنبياء، و المتنّعمين المغرورين أيضا هم أوّل مجموعة ترفع لواء المخالفة.
و رغم أنّ منكري دعوة الأنبياء لا ينحصرون في هذه المجموعة فقط، و لكنّهم غالبا عامل الفساد الأوّل و الدعاة إلى الشرك و الخرافات، و يسعون دوما إلى إكراه
[١] لسان العرب، مجلّد ٩، ص ١٧.