الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦ - التّفسير
الأمور الثلاثة فإنّ هؤلاء لمّا تركوها سقطوا في هاوية الضلال و الضياع و وادي الشياطين.
و تشير الآية التالية إلى المنطق الضعيف السقيم لهذه الفئة، فتقول: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا و لمّا لم يكن اتّباع الآباء الجهلة المنحرفين جزءا من أيّ واحد من الطرق الثلاثة المذكورة أعلاه للهداية، فإنّ القرآن ذكره بعنوان الطريق الشيطاني، و قال: أَ وَ لَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ [١].
إنّ القرآن- في الحقيقة- يزيح هنا الغطاء عن اتّباع سنّة الآباء و الأجداد الزائفة، و يبيّن الوجه الحقيقي لعمل هؤلاء و الذي هو في حقيقته اتّباع الشيطان في مسير جهنّم.
أجل، إنّ قيادة الشيطان بذاتها تستوجب أن يخالفها الإنسان و إن كانت مبطّنة بالدعوة إلى الحقّ، فمن المسلّم أنّه غطاء و خدعة، و الدعوة إلى النار كافية لوحدها أيضا للمخالفة بالرغم من أنّ الداعي مجهول الحال، فإذا كان الداعي الشيطان، و دعوته إلى نار جهنّم المستعرة، فالأمر واضح.
هل يوجد عاقل يترك دعوة أنبياء اللّه إلى الجنّة، و يلهث وراء دعوة الشيطان إلى جهنّم؟! ثمّ تطرّقت الآية التالية إلى بيان حال مجموعتين: المؤمنين الخلّص، و الكفّار الملوّثين، و تجعلهم مورد اهتمامها في المقارنة بينهم، فقالت: وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى.
و المراد من تسليم الوجه إلى اللّه سبحانه، هو التوجّه الكامل و بكلّ الوجود إلى ذات اللّه المقدّسة، لأنّ الوجه لمّا كان أشرف عضو في البدن، و مركزا لأهمّ
[١] اعتبر المفسّرون (لو) هنا شرطية كالمعتاد، و جزاؤها محذوف، و التقدير: لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير أ يتبعونه.