الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٥ - هيبة سليمان و موته العبرة!!
نقتنع بهذا الخصوص بالمقدار الذي أشار إليه القرآن الكريم.
«غدو»: بمعنى وقت الصبح من النهار، يقابله «الرواح» بمعنى وقت الغروب من النهار، و يطلق على الحيوانات عند عودتها إلى مساكنها في آخر النهار للاستراحة، و يبدو من القرائن في الآية مورد البحث أنّ «الغدو» هنا بمعنى النصف الأوّل من النهار، و «الرواح» النصف الثّاني منه، لذا يحتمل في معنى الآية أنّ سليمان عليه السّلام يقطع في وقت مقداره من الصبح إلى الظهر- بمركبه- ما يعادل المسافة التي يقطعها المسافرون في ذلك الزمان بشهر كامل، و كذا نصف النهار الثاني.
بعدئذ تنتقل الآية إلى الموهبة الثّانية التي خصّ اللّه بها سليمان عليه السّلام فتقول الآية الكريمة: وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ.
«أسلنا» من مادّة «سيلان» بمعنى الجريان، و «القطر» بمعنى النحاس، و المقصود أنّنا أذبنا له هذا الفلز و جعلناه كعين الماء، و ذهب البعض إلى أنّ «القطر» يعني أنواع الفلزات أو «الرصاص»، و على هذا يكون قد ألين الحديد للأب، و أذيبت الفلزات بأجمعها للابن، و لكن المشهور هو المعنى الأوّل.
كيف يكون النحاس أو الفلزات الاخرى كعين الماء بين يدي سليمان عليه السّلام؟ هل أنّ اللّه علّم هذا النّبي كيفية إذابة هذه الفلزات بكميات كبيرة بطريقة الإعجاز؟ أو جعل عينا من هذا الفلز المائع تحت تصرفه، تشبه عيون البراكين وقت فعاليتها، حيث تنحدر منها على أطراف الجبل بصورة إعجازية، أو بأي شكل آخر؟ ليس واضحا لدينا و ما نعلمه هو أنّ ذلك أيضا كان من الألطاف الإلهية على هذا النّبي العظيم.
أخيرا تنتقل الآية إلى بيان الموهبة الإلهية الثالثة لسليمان عليه السّلام و هي تسخير مجموعة كبيرة من الجنّ لخدمته فتقول الآية: وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ.
«الجنّ»: و كما هو معلوم من اسمه، ذلك المخلوق المستور عن الحسّ البشري،