الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٤ - هيبة سليمان و موته العبرة!!
سليمان عليه السّلام يقول تعالى: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ [١].
الملفت هنا أنّ اللّه تبارك و تعالى حينما سخّر للأب جسما خشنا و صلبا جدّا و هو الحديد، نرى أنّه قد سخّر للابن موجودا لطيفا للغاية، و لكنّ العملين كانا نافعين و إعجازيين، جسم صلب يلين لداود، و أمواج الهواء اللطيفة تجعل محكمة و فعّالة لسليمان!! و لطافة الريح لا تمنع من أدائه أعمال هامّة، فمن الرياح ما يحرّك السفن الكبيرة على ظهر المحيطات، و منها ما يدير أحجار الطاحونات الهوائية الثقيلة، و منها ما يرفع البالونات إلى عنان السماء و يحرّكها كالطائرات.
نعم، هذا الجسم اللطيف بهذه القدرة الإيجابية سخّر لسليمان.
أمّا كيف تحمل الريح مقعد سليمان، (سواء أ كانت كرسيا أم بساطا)؟ فليس بواضح لنا. و القدر المتيقّن هو أن لا شيء يمثّل مشكلة أو عقبة أمام قدرة اللّه، لقد استطاع الإنسان بقدرته- الحقيرة أمام قدرة اللّه- أن يحرّك البالونات و الطائرات التي تحمل مئات بل آلاف المسافرين و الأحمال الاخرى في عنان السماء، فهل أنّ تحريك بساط سليمان بواسطة الريح يشكّل أدنى مشكلة للباري جلّت قدرته!؟
ما هي العوامل التي تحفظ سليمان و وسيلة نقله من السقوط أو من ضغط الهواء و المشكلات الاخرى الناشئة من الحركة في السماء؟ هذه أيضا من المسائل التي خفيت عنّا تفصيلاتها. و لكن ما نعلمه أنّ تأريخ الأنبياء حافل بخوارق العادة و التي- مع الأسف- امتزجت نتيجة جهود بعض الجهلة أو أعداء المعرفة بالخرافات حتّى أضحت الصورة الحقيقية لهذه الأمور مشوشة و قبيحة، و نحن
[١] «لسليمان» جار و مجرور متعلّق بفعل مقدّر تقديره «سخّرنا» كما يفهم بقرينة الآيات السابقة، و قد صرّح بذلك في الآية (٣٦) من سورة ص. التي قال فيها سبحانه و تعالى: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ. و بعض المفسّرين يعتقد بأنّ (اللام) في (لسليمان) للتخصيص، إشارة إلى أنّ المعجزة اختصّ بها سليمان و لم يشاركه فيها أحد من الأنبياء.