الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - جوائز عظيمة لم يطّلع عليها أحد!
في الآيات السابقة حول المجرمين و الكافرين، فإنّه يتطرّق إلى صفات المؤمنين الحقيقيين البارزة، و يبيّن أصولهم العقائدية، و برامجهم العملية بصورة مضغوطة ضمن آيتين بذكر ثمان صفات [١]، فيقول أوّلا: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ.
التعبير ب (إنّما) الذي يستعمل عادة لإفادة معنى الحصر، يبيّن أنّ كلّ من يتحدّث عن الإيمان و يتمشدق به، و لا يمتلك الخصائص و الصفات التي وردت في هذه الآيات، فإنّه لا يكون في صفّ المؤمنين الواقعيين، بل هو شخص ضعيف الإيمان.
لقد بيّنت في هذه الآية أربع صفات:
١- أنّهم يسجدون بمجرّد سماعهم آيات اللّه، و التعبير ب خَرُّوا بدل سُجَّداً إشارة إلى نكتة لطيفة، و هي أنّ هؤلاء المؤمنين ينجذبون إلى كلام اللّه لدى سماعهم آيات القرآن و يهيمون فيها بحيث يسجدون لا إراديا [٢].
نعم .. إنّ أوّل خصائص هؤلاء هو العشق الملتهب، و العلاقة الحميمة بكلام محبوبهم و معشوقهم.
لقد ذكرت هذه الصفة و الخاصية في بعض آيات القرآن الاخرى كأحد أبرز صفات الأنبياء، كما يقول اللّه سبحانه في شأن جمع من الأنبياء العظام: إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا. [٣]
[١] ينبغي الالتفات إلى أنّ الآية الاولى هي اولى السجدات الواجبة في القرآن الكريم، و إذا ما تلاها أحد بتمامها، أو سمعها من آخر فيجب أن يسجد. طبعا لا يجب فيها الوضوء، لكن يجب الاحتياط في وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه.
[٢] يقول الراغب في المفردات: (خرّوا) في الأصل من مادّة الخرير، أي صوت الماء و أمثاله حين انحداره من مرتفع إلى منخفض، و استعماله هذا التعبير في شأن الساجدين إشارة إلى أنّ هؤلاء ترتفع أصواتهم بالتسبيح في لحظة هويّهم إلى الأرض للسجود.
[٣] سورة مريم، الآية ٥٨.