الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١ - من هم المحسنون؟
إنّ وصف «الكتاب» ب «الحكيم» إمّا لقوّة و متانة محتواه، لأنّ الباطل لا يجد إليه طريقا و سبيلا، و يطرد عن نفسه كلّ نوع من الخرافات و الأساطير، و لا يقول إلّا الحقّ، و لا يدعو إلّا إليه، و هذا التعبير في مقابل لَهْوَ الْحَدِيثِ الذي يأتي في الآيات التالية تماما.
أو بمعنى أنّ القرآن كالعالم الحكيم الذي يتكلّم بألف لسان في الوقت الذي هو صامت لا ينطق، فيعلّم، و يعظ و ينصح، و يرغّب و يرهّب، و يحذّر و يتوعّد، و يبيّن القصص ذات العبرة، و خلاصة القول فإنّه حكيم بكلّ معنى الكلمة. و لهذه البداية علاقة مباشرة بكلام لقمان الحكيم الذي ورد البحث فيه في هذه السورة.
و لا مانع- طبعا- من أن يكون المعنيان مرادين في الآية أعلاه.
ثمّ تذكر الآية التالية الهدف النهائي من نزول القرآن، فتقول: هُدىً وَ رَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ.
إنّ الهداية في الحقيقة مقدّمة لرحمة اللّه، لأنّ الإنسان يجد الحقيقة أوّلا في ظلّ نور القرآن، و يعتقد بها و يعمل بها، و بعد ذلك يكون مشمولا برحمة اللّه الواسعة و نعمه التي لا حدّ لها.
و ممّا يستحقّ الانتباه أنّ هذه السورة اعتبرت القرآن سببا لهداية و رحمة «المحسنين»، و في بداية سورة النمل: هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ و في بداية سورة البقرة: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
و هذا الاختلاف في التعبير ربّما كان بسبب أنّ روح التسليم و قبول الحقائق لا تحيا في الإنسان بدون التقوى، و عند ذلك سوف لا تتحقّق الهداية، و بعد مرحلة قبول الحقّ نصل إلى مرحلة الإيمان التي تتضمّن البشارة بالنعم الإلهية علاوة على الهداية، و إذا تقدّمنا أكثر فسنصل إلى مرحلة العمل الصالح، و عندها تتجلّى رحمة اللّه أكثر من ذي قبل.
بناء على هذا فإنّ الآيات الثلاث أعلاه تبيّن ثلاث مراحل متعاقبة من مراحل