الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٧ - إبراهيم الإنسان النّموذج
العقل و الانحراف عن الفطرة و فقدان الدين و الدنيا؟! ثم تضيف الآية: وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
نعم، إبراهيم عليه السّلام اصطفاه اللّه في الدنيا ليكون «الأسوة» و «القدوة» للصالحين.
الآية التالية تؤكد على صفة اخرى من صفات إبراهيم التي هي الواقع أساس بقية صفاته العظيمة و تقول: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.
هذا الإنسان المتحرر من الانشدادات الوضيعة يسارع إلى التسليم التام حال سماعه نداء ربّه: «أسلم»، و لا يتوانى في رفض كل أوهام زمانه القائمة على عبادة النجوم و الشمس و القمر، فيتركها بعد أن رآها محكومة بالقوانين التي تسود الخليفة و يقول: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [١].
مرّ بنا في الآيات السابقة أن إبراهيم و إسماعيل عليهما السّلام بعد بناء الكعبة طلبا من اللّه سبحانه أن يتقبل أعمالهما، ثم بعد ذلك طلبا أن يمنّ عليهما اللّه بنعمة التسليم لوجهه الكريم: رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ و مثل هذا طلباه لذريّتهما: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ.
ذلك لأن الخطوة الاولى في سموّ الشخصية الإنسانية الطهر و الإخلاص، و من هنا أسلم إبراهيم عليه السّلام وجهه لربّه دون سواه، و لذلك عرف هو و دينه بهذا العنوان.
حياة إبراهيم عليه السّلام بأجمعها كانت مفعمة بأعمال جسيمة نادرة، نضاله المرير ضد المشركين، صموده الكبير في قلب النيران، هذا الصمود الذي أثار إعجاب نمرود الطاغية نفسه حيث راح يردد دون وعي: من اتخذ إلها فليتخذ إلها مثل إله إبراهيم [٢].
و كذلك إسكان الزوج و الطفل الرضيع في تلك الأرض الجافة القاحلة ...
[١]- الأنعام، ٧٩.
[٢]- نور الثقلين، ج ٣، ص ٤٣٩.