الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧ - العالم مغمور في رحمته
ممّا تقدم ابتدأت سورة الحمد بعبارة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
و لفهم عمق هذه العبارة و عظمتها يلزمنا توضيح الفرق بين «الحمد» و «المدح» و «الشكر» و النتائج المترتبة على ذلك:
١- «الحمد» في اللغة: الثناء على عمل أو صفة طيبة مكتسبة عن اختيار، أي حينما يؤدي شخص عملا طيّبا عن وعي، أو يكتسب عن اختيار صفة تؤهله لأعمال الخير فإنّنا نحمده و نثني عليه.
و «المدح» هو الثناء بشكل عام، سواء كان لأمر اختياري أو غير اختياري، كمد حنا جوهرة ثمينة جميلة. و مفهوم المدح عام، بينما مفهوم الحمد خاص.
أمّا مفهوم «الشكر» فأخصّ من الاثنين، و يقتصر على ما نبديه تجاه نعمة تغدق علينا من منعم عن إختيار [١].
و لو علمنا أنّ الألف و اللام في (الحمد) هي لاستغراق الجنس، لعلمنا أنّ كل حمد و ثناء يختص باللّه سبحانه دون سواه.
ثناؤنا على الآخرين ينطلق من ثنائنا عليه تعالى، لأنّ مواهب الواهبين كالأنبياء في هدايتهم للبشر، و المعلمين في تعليمهم، و الكرماء في بذلهم و عطائهم، و الأطباء في علاجهم للمرضى و تطبيبهم للمصابين، إنّما هي في الأصل من ذاته المقدسة. و بعبارة اخرى: حمد هؤلاء هو حمد للّه، و الثناء عليهم ثناء على اللّه تعالى.
و هكذا الشمس حين تغدق علينا بأشعتها، و السحب بأمطارها، و الأرض ببركاتها، كلّ ذلك منه سبحانه، و لذلك فكلّ الحمد له.
و بكلمة أخرى: جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إشارة إلى توحيد الذات، و الصفات، و الأفعال (تأمّل بدقة).
[١]- «الشكر»، من وجهة نظر اخرى أوسع إطارا، لأنّ الشكر يؤدي بالقول أحيانا و بالعمل اخرى. أمّا الحمد و المدح فبالقول غالبا.