الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٨ - حرمة كتمان الحق
بمخاطبيها، بل تبين حكما عاما بشأن كاتمي الحق.
الآية الكريمة تتحدث عن هؤلاء بشدّة و تقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ، أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.
فاللّه سبحانه و عباده الصالحون و ملائكته المقربون يلعنون من يكتم الحق، و بعبارة اخرى، كل أنصار الحق يغضبون على من كتم الحق. و أية خيانة للعالم أكبر من محاولة العلماء كتمان آيات اللّه المودعة عندهم من أجل مصالحهم الشخصية و لتضليل النّاس.
و عبارة مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ إشارة إلى أن هؤلاء الأفراد يصادرون في الواقع جهود الأنبياء و تضحيات أولياء اللّه الصالحين، و هو ذنب عظيم.
و الفعل (يلعن) تكرر في الآية للتأكيد، و استعمل بصيغة المضارع لبيان استمرار اللعن، و من هنا فإنّ لعنة اللّه و لعنة اللاعنين تلاحق هؤلاء الكاتمين لآيات اللّه باستمرار، و ذلك أقسى صور العقاب.
«البينات» و «الهدى» لهما معنى واسع يشمل كل وسائل الهداية و التوعية و الإيقاظ و إنقاذ النّاس.
و لما كان القرآن كتاب هداية، فإنه لا يغلق منافذ الأمل و التوبة أمام الأفراد، و لا يقطع أملهم في العودة مهما ارتكسوا في الذبوب، لذلك تبين الآية التالية طريق النجاة من هذا الذنب الكبير و تقول: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
عبارة أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ جاءت بعد عبارة فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ للدلالة على كثرة محبة اللّه، و سبق عطفه على عباده التائبين. فيقول سبحانه لهؤلاء: إن تبتم، أي عدتم إلى نشر الحقائق، فأنا أعود أيضا إلى إغداق الرحمة و المواهب