الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٩ - لا يرضون بأيّ ثمن
كل الأنبياء واجهوا مثل هؤلاء الأفراد، و هم إمّا أثرياء متنفذون، أو علماء منحرفون، أو جاهلون متعصبون.
ثم تضيف الآية: وَ ما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ.
أي إن هؤلاء لا يستطيعون مهما افتعلوا من ضجيج، أن يغيروا مرّة اخرى قبلة المسلمين، فهذه هي القبلة الثابتة النهائية.
و هذا التعبير القاطع الحاسم أحد سبل الوقوف بوجه الضجيج المفتعل، و من الضروري في مثل هذه الظروف أن يعلن الإنسان المسلم أمام الأعداء كلمته صريحة قوية، مؤكدا أنه لا ينثني أمام هذه الانفعالات.
ثم تقول الآية: وَ ما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ.
لا النصارى بتابعين قبلة اليهود، و لا اليهود بتابعين قبلة النصارى.
و لمزيد من التأكيد و الحسم ينذر القرآن النّبي و يقول: وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
و في القرآن يكثر مثل هذا اللون من الخطاب التهديدي للنبي بأسلوب القضية الشرطية، و الهدف من ذلك ثلاثة أشياء:
الأوّل: أن يعلم الجميع عدم وجود أي تمييز بين النّاس في إطار القوانين الإلهية، و حتى الأنبياء مشمولون بهذه القوانين. و من هنا فلو صدر عن النّبي- على الفرض المحال- انحراف، فسيشمله العقاب الإلهي، مع استحالة صدور ذلك عن النّبي (بعبارة اخرى القضية الشرطية لا تدل على تحقق الشرط).
الثّاني: أن يتنبّه النّاس إلى واقعهم، فإذا كان ذلك شأن النّبي، فمن الأولى أن يكونوا هم أيضا واعين لمسؤولياتهم، و أن لا يستسلموا إطلاقا لميول الأعداء و ضجاتهم المفتعلة.
الثّالث: أن يتّضح عدم قدرة النّبي على تغيير أحكام اللّه، و عدم إمكان الطلب إليه أن يغير حكما من الأحكام، فهو عبد أيضا خاضع لأمر اللّه تعالى.