الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٢ - ٥- خداع الضمير
من جهة- باحتضان كلّ من يظهر الإسلام و بالامتناع عن تفتيش عقائد الأفراد، و مسئولون- من جهة اخرى- عن الحذر من مؤامرات المنافقين و تحركاتهم المشبوهة التي يستهدفون منها الوقوف بوجه الرسالة، و إن اتخذت هذه التحركات صفة إسلامية ظاهرية.
المنافقون يظنون أنهم بعملهم هذا يستطيعون أن يخدعوا المسلمين و يمرروا عليهم مؤامراتهم، بينما هؤلاء يخدعون أنفسهم.
التعبير القرآني يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا يوضّح مفهوما دقيقا، فكلمة يخادعون تعني الخداع المشترك من الطرفين، و تبين أن هؤلاء المنافقين كانوا يعتقدون- لعمى بصيرتهم- أنّ النّبي خدّاع توسّل بالدين و النبوّة و جمع حوله السذّج من النّاس ليكون له حكم و سلطان، و من هنا راح المنافقين يتوسلون بخدعة لمقابلة خدعة النّبي! فالتعبير القرآني المذكور يوضّح إذن لجوء المنافقين إلى الخدعة، و يبين كذلك نظرة هؤلاء الخاطئة إلى النّبي الأعظم صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
ثم تردّ الآية الكريمة على هؤلاء و تقول: وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ، فالفعل «يخدعون» يوضّح أنّ الخداع من جانب المنافقين فقط، و تؤكد الآية أيضا أنهم يخدعون أنفسهم دون أن يشعروا، لأنهم يبددون. بأفعالهم هذه طاقاتهم العظيمة على طريق الانحراف، و يحرمون أنفسهم من السعادة التي رسم اللّه طريقها لهم، و يغادرون الدنيا و هم صفر اليدين من كل خير، مثقلون بأنواع الذنوب و الآثام.
لا يمكن لأحد أن يخدع اللّه طبعا لأنه سبحانه عالم بالجهر و ما يخفى، و تعبير «يخادعون اللّه» إمّا أن يكون المقصود به يخادعون الرّسول و المؤمنين، لأن من يخدع الرّسول و المؤمنين فكأنه خدع اللّه (في القرآن مواضع كثيرة عظم فيها اللّه رسوله و المؤمنين إذ قرن اسمهم باسمه). و إمّا أن يكون نقص العقل و سوء الفهم قد بلغ بالمنافقين حدا تصوروا معه أنهم قادرون على أن يخفوا على اللّه شيئا من