تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٩٠ - خطبة للمؤلّف رحمه اللّه
يملي و لا يمل، و وجدي يقلي و لا يقل:
يا إخواني، تفكّروا في هذا الخطب الجسيم، و الرزء العظيم، أ يقتل ابن رسول اللّه في مفازة من الأرض من غير ذنب ارتكبه، و لا وزر احتقبه، و لا فريضة بدّلها، و لا سنّة أبطلها؟ فتجتمع عصابة تزعم أنّها من أمّة جدّه، و سالكة منهاجه من بعده، فتحرم عليه الماء المباح، و تجعل ورده من دم الجراح، لا تأخذها به رأفة، و لا تخشى أن ينزل بها من غضب اللّه آفة، و هو يستغيث بأوغادها فلم يغيثوه، و يستعين بهم و لم يعينوه، بل قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة، و نقضوا عهدهم كالّتي نقضت غزلها من بعد قوّة، لم يوقّروا شيبته، و لم يذكروا قربته، و لا رحموا صبيته، و لا احترموا نسوته، و لا راعوا غربته، و لا استهابوا حرمة جدّه، و لا تألّموا من خلف وعده، بل ذبحوا أطفاله، و هتكوا عياله، و قتلوا ذرّيّته، و استأصلوا اسرته، و انتهبوا ثقله، و استباحوا قتله، و أضرموا النار في مضاربه، و سدّوا عليه أبواب مطالبه، و أظهروا ما كان كامنا من نفاقهم، و أبدوا ما أخفوا من سقامهم.
فأيّ مسلم يعتقد إسلامهم؟ و أيّ عاقل يؤوّل مرامهم؟ فلا يشكّ في كفرهم إلّا من بلغ في الغيّ غايتهم، و سلك في البغي جادّتهم، فأحوال الملاحدة منكري الصانع أحسن من أحوالهم، و أفعال جاحدي الشرائع أضرب من فعالهم و أقوالهم، إذ هم يعتقدون ما حسّن العقل حسنا صريحا، و ما قبّح العقل شنيعا قبيحا، و أهل الملل المنسوخة و الشرائع المفسوخة من أهل الكتاب و غيرهم يعظّمون ذراري أنبيائهم، و يثابرون على محبّة أبنائهم، و يتبرّكون بآثارهم و مزاراتهم، و يسجدون لصورهم المصوّرة في بيعهم و دياراتهم، و هذه الطائفة المارقة، و العصابة المنافقة، من بقايا الأحزاب، و سفهاء الأعراب، كانوا أهل