تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٨٩ - خطبة للمؤلّف رحمه اللّه
يا لها مصيبة شقّ لها المؤمنون قلوبهم لا جيوبهم، و تجافت لعظمها عن المضاجع جنوبهم، و أمطرت السماء دما و ترابا، و خبرت من أخي العرفان أفكارا و ألبابا، و اضطربت لهو لها السبع العلى، و اهتزّ لها عرش المليك الأعلى.
النبيّ و الوصيّ فيها أهل العزاء، و سيّدة النساء تودّ لو تكون له النداء، أنسى كلّ مصيبة مصابها، و أمر كلّ طعم صابها، و أدارت كئوس الأحزان على قلوب المؤمنين، و جدّدت معاهد الأشجان في نفوس المخلصين، كسيت السماء بحمرة نجيع شهدائها سقفا، و أذكت في قلوب المؤمنين بفادح زنادها حرقا، و أنفذت بتراكم أحزانها ماء الشؤون، و أذابت بتفاقم أشجانها القلوب فأسالتها دما من العيون، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون. أي مصيبة طمت و عمت و أشجت قلوب المؤمنين و أعمت.
فيا إخواني عزّوا نبيّكم المصطفى في هذا اليوم بسبطه، اسعدوا وليّكم المرتضى في مصابه برهطه، فإنّ البكاء في هذا العشر لمصاب آل الرسول من أفضل الطاعات، و إظهار الجزع لما نال ولد الطاهرة البتول من أكمل القربات، و لمّا كانت هذه المصيبة لم تقع منذ خلق اللّه السماوات و الأرض كواقعتها، و لا انهتكت حرمة نبيّ و لا وليّ كانهتاك حرمتها، و لا غضب اللّه غضبها على من شبّ ضرامها، و نصب أعلامها، و قاد جنودها، و عقد بنودها، أردت أن أنفت حزازة[١] صدري، و أبوح بما في سرّي، و اخاطب المؤمنين من إخواني بما خطر في جناني، و نطق به لساني، فقلت من شدّة أسفي، و فرط لهفي، و دمعي
[١] نفتت القدر تنفت نفتا ... إذا كانت ترمي بمثل السهام من الغلي.« لسان العرب: ٢/ ١٠٠- نفت-».
و الحزازة: وجع في القلب من غيظ و نحوه.« لسان العرب: ٥/ ٣٣٥- حزز-».