تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٨٧ - خطبة للمؤلّف رحمه اللّه
لم يخلق اللّه خلقا أكرم عليه منهم، و لم يصدر عنه من العلوم ما صدر عنهم.
و لمّا تمّت كلمتهم، و كملت صفتهم، و شملت رئاستهم، و عمّت خلافتهم، و عمر برّهم، و علا أمرهم، و خلصت قلوبهم، و صعبت نفوسهم، و أفاض الجليل سبحانه على أفئدتهم أنوار جلال عظمته، و رقّى أرواحهم إلى سماء العرفان فاطّلعوا على أسرار إلهيّته، أراد سبحانه أن لا يترك خصلة من خصال المجد، و لا مزيّة من مزايا الفخر إلّا و يجعلهم عيبتها و مجمعها و منبعها و مشرعها و موئلها و مرجعها و مربعها، ففازوا من خلال الكرم بالعلى من سهامها، و الأعلى من مقامها، حتى وصفهم سبحانه بأشرف خصال الكرامة، و أنزل قرآنا تتلى آيات مدحتهم فيه إلى يوم القيامة، و حازوا من المعارف الربّانيّة و الأحكام الشرعيّة ما ينفع العليل، و يبلّ الغليل.
عنهم اصول العلوم اخذت، و بنهم اولوا المعارف احتذت، و على قواعدهم بنوا، و عن أعلامهم رووا، و جعلهم اللّه لسانه الناطق بحقّه، و مناره الساطع في خلقه.
و لمّا انتهت في الكمال رتبتهم، و علت في الجلال غايتهم، و عرفوا المبدع حقّ معرفته، و نزّهوه عمّا لا يليق بصفته، صفّوا في مقام الخدمة أقدامهم، و نصبوا في حضرة العزّة أبدانهم، و لحظوا بعين التعظيم جلال مبدعهم، و شاهدوا بعين اليقين كمال مخترعهم، اشتاقت أنفسهم إلى المقام الأسنى، و تاقت أرواحهم إلى الجناب الأعلى، من جهاد أعداء ربّهم، و المموّهين بزورهم و كذبهم، الّذين باض الشرك في رءوسهم، و فرّخ و ثبت الكفر في نفوسهم، و رسخ و نعق ناعق النفاق في قلوبهم فاتّبعوه، و دعاهم داع الشقاق في صدورهم فأطاعوه،