مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ١٧٠ - الأخبار الأصحاب
فقلت: إنّ هذا الفتى لمن الأبدال [١]، لقد تكلّم على سرّي مرّتين.
فلمّا نزلنا زبالة، إذا بالفتى قائم على البئر و بيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر، و أنا أنظر إليه، فرأيته قد رمق السماء و سمعته يقول:
أنت ربي إذا ظمئت إلى الماء * * * و قوتي إذا أردت الطعاما
اللهم سيّدي مالي غيرها فلا تعدمنيها،
قال شقيق: فو اللّه لقد رأيت البئر و قد ارتفع ماؤها، فمدّ يده و أخذ الركوة، و ملأها ماء فتوضّأ و صلّى أربع ركعات، ثمّ مال إلى كثيب رمل، فجعل يقبض بيده و يطرحه في الركوة و يحرّكه و يشرب، فأقبلت إليه و سلّمت عليه، فردّ عليّ السلام، فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم اللّه عليك.
قال: يا شقيق لم تزل نعمة اللّه علينا ظاهرة و باطنة، فأحسن ظنّك بربك.
ثمّ ناولني الركوة فشربت منها، فاذا هو سويق و سكر، فو اللّه ما شربت قط ألذّ منه و لا أطيب ريحا، فشبعت و رويت و أقمت أياما لا أشتهي طعاما و لا شرابا.
ثمّ لم أره حتى دخلنا مكة، فرأيته ليلة إلى جنب قبّة الشراب في نصف الليل قائما يصلّي بخشوع و أنين و بكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلمّا رأى الفجر جلس في مصلّاه يسبّح، ثمّ قام فصلّى الغداة، و طاف بالبيت سبعا [٢] و خرج فتبعته و إذا له غاشية [٣] و موال و هو على خلاف ما رأيته في الطريق، و دار به الناس من حوله يسلّمون عليه، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه: من هذا الفتى؟
فقال: هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
[١]- الأبدال: قوم من الصالحين لا تخلوا الدنيا منهم، سمّوا بذلك لأنهم كلما مات واحد منهم أبدل اللّه مكانه آخر. النهاية: ١/ ١٠٧، مجمع البحرين: ٥/ ٣١٩.
[٢]- كذا في روض الرياحين و بعض المصادر الأخرى، و في م ب ع: أسبوعا.
[٣]- «توضيح: قال الفيروزآبادي: الغاشية: السؤال يأتونك و الزوّار و الأصدقاء ينتابونك ...» منه (قدس سره). القاموس المحيط: ٤/ ٣٧٠ (غشى).