نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٧١ - المعتمد على الله بن المعتضد بن عباد
القطائع لإشبيلية ، جدّ في حصارها ، والمعتمد مع ذلك منغمس في لذاته ، وقد ألقى الأمور بيد ابنه الرشيد ، فلم يشعر ابن عباد إلا والعسكر معه في البلد ، فأفاق من نومه ، وصحا من سكره ، وركب فرسه وحسامه في يده ، وليس عليه إلا ثوب واحد ، فوافق العسكر قد دخل من باب الفرج ، ووافى هنالك طبالا فضربه بسيفه ضربة قسمه بها نصفين ، ففر الناس أمامه ، وتراموا من السور ، ووقف حتى بان الباب [١] ، وفي ذلك يقول الأبيات المذكورة فيما يأتي «إن يسلب القوم العدا ـ إلى آخره». فلما وصل إلى باب الصباغين وجد ابنه مالكا مقتولا ، فاسترحم له ، ودخل القصر ، وزاد الأمر بعد ذلك ، ودخل البلد من كل جهاته ، فطلب الأمان له ولمن معه ، فأمن وجميع من له ، وأعدّت له مراكب ، واجتاز إلى طنجة ، فلقيه الحصري الشاعر ، وكان قد ألف له كتاب «المستحسن من الأشعار» فلم يقض بوصوله إليه إلا وهو على تلك الحالة ، فلما أخذ المعتمد الكتاب قال للحصري : ارفع ذلك البساط فخذ ما تحته ، فو الله ما أملك غيره ، فوجد تحته جملة مال ، فأخذه ، ثم انتقل حتى وصل أغمات ، ولم يزل بها إلى أن مات ، رحمه الله تعالى!.
وقال الفتح في ترجمته ما نصه [٢] : ملك قمع العدا ، وجمع البأس والندى ، وطلع على الدنيا بدر هدى ، لم يتعطل يوما كفه ولا بنانه ، آونة يراعه وآونة سنانه ، وكانت أيامه مواسم ، وثغوره بواسم [٣] ، ولياليه كلها دررا ، وللزمان حجولا [٤] وغررا ، لم يغفلها من سمات عوارف ، ولم يضحها من ظل إيناس وارف ، ولا عطلها من مأثرة بقي أثرها باديا ، ولقي معتفيه [٥] منها إلى الفضل هاديا ، وكانت حضرته مطمحا للهمم ، ومسرحا لآمال الأمم ، ومقذفا لكل كميّ ، وموقفا لكل ذي أنف حمي ، لم تخل من وفد ، ولم يصح جوها من انسجام رفد ، فاجتمع تحت لوائه من جماهير الكماه ، ومشاهير الحماه [٦] ، أعداد يغصّ بهم الفضاء [٧] ، وأنجاد يزهى بهم النفوذ والمضاء ، وطلع في سمائه كل نجم متّقد ، وكل ذي فهم منتقد ، فأصبحت حضرته ميدانا لزهان الأذهان ، ومضمارا لإحراز الخصل ، في كل معنى وفصل ، فلم يلتحق بزمامه إلا كل بطل نجد ، ولم يتسق في نظامه إلا ذكاء ومجد ، فأصبح عصره أجمل عصر ، وغدا مصره أكمل مصر [٨] ، تسفح فيه ديم الكرم ، ويفصح فيه لسان سيف وقلم [٩] ،
[١] في ه «حتى بنى الباب» وليس بشيء.
[٢] انظر القلائد : ٤ وما بعدها.
[٣] في ه والمطمح «وثغور بره بواسم».
[٤] في ه «أحجالا».
[٥] كذا في ب ، ج ، ه. وفي أ«مقتفيه».
[٦] في ب «جماهير الكماة ومشاهير الحماة».
[٧] في نسخة عند ه «يضيق بهم الفضاء».
[٨] في ب «أجمل مصر».
[٩] في ب ، ه «لسانا سيف وحكم».