نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٦٢ - وقعة الزلاقة التي نشأت عن أخذ طليطلة
وقد تقدم شيء من هذا فيما مر من هذا الكتاب.
وقد حكى ابن بدرون [١] في شرح العبدونية أن المأمون يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة بنى بها قصرا تأنق في بنائه ، وأنفق فيه مالا كثيرا ، وصنع فيه بحيرة ، وبنى في وسطها قبة ، وسيق الماء إلى رأس القبة على تدبير أحكمه المهندسون ، فكان الماء ينزل من أعلى القبة حواليها محيطا بها متصلا بعضه ببعض ، فكانت القبة في غلالة من ماء سكب [٢] لا يفتر ، والمأمون بن ذي النون قاعد فيها لا يمسه من الماء شيء ، ولو شاء أن يوقد فيها الشمع لفعل ، فبينما هو فيها إذ سمع منشدا ينشد : [الطويل]
| أتبني بناء الخالدين ، وإنما | بقاؤك فيها ، لو علمت ، قليل | |
| لقد كان في ظل الأراك كفاية | لمن كلّ يوم يعتريه رحيل |
فلم يلبث بعد هذا إلا يسيرا حتى قضى نحبه ، انتهى.
وقال ابن خلكان [٣] إن طليطلة أخذت يوم الثلاثاء مستهل صفر سنة ٤٧٨ بعد حصار شديد ، انتهى.
وقال ابن علقمة : إن طليطلة أخذت يوم الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة ٤٧٨ ، وكانت وقعة الزلّاقة في السنة بعدها [٤] ، انتهى.
وقد رأيت [٥] أن أذكر هنا وقعة الزلاقة التي نشأت عن أخذ طليطلة وما يتبع ذلك من كلام صاحب «الروض المعطار» [٦] وغيره فنقول : إنه لما ملك يوسف بن تاشفين اللمتوني المغرب ، وبنى مدينتي مراكش وتلمسان الجديدة ، وأطاعته البربر مع شكيمتها الشديدة ، وتمهدت له الأقطار الطويلة المديدة ، تاقت نفسه إلى العبور لجزيرة الأندلس ، فهمّ بذلك ، وأخذ في إنشاء المراكب والسفن ليعبر فيها ، فلما علم بذلك ملوك الأندلس كرهوا إلمامه بجزيرتهم ، وأعدوا له العدّة والعدد ، وصعبت عليهم مدافعته ، وكرهوا أن يكونوا بين عدوّين الفرنج عن شمالهم والمسلمين عن جنوبهم [٧] ، وكانت الفرنج تشتد وطأتها عليهم ، وتغير
[١] في ه «ابن بذرون».
[٢] سكب : أي ساكب.
[٣] وفيات الأعيان ٤ / ١١٨.
[٤] في ج «وكانت وقعة الزلاقة التي نشأت في السنة بعدها».
[٥] في ب «ورأيت أن أذكر».
[٦] انظر ابن خلكان ٦ : ١١٢ ، وأكثر النص منقول منه.
[٧] في ب ، ه «الفرنج من شمالهم والمسلمين من جنوبهم».