نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤١٨ - نص رسالة كتبها أبو عبد الله محمد بن عبد الله العربي العقيلي على لسان سلطان الأندلس المخلوع إلى سلطان فاس ، وتسمى هذه الرسالة «الروض العاطر الأنفاس ، وفي التوسل إلى الإمام سلطان فاس»
واجترائي عليه أكثر ، واجترامي [١] إليه أكبر : اللهم لا برىء فأعتذر ، ولا قوي فأنتصر ، لكني مستقيل ، مستنيل مستعتب مستغفر وما أبرئ نفسي ، (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) [يوسف : ٥٣] ، هذا على طريق التنزل والإنصاف ، بما تقتضيه الحال ممن يتحيز إلى حيز الإنصاف ، وأما على جهة التحقيق ، فأقول ما قالته الأم ابنة الصديق [٢] : والله إني لأعلم أني إن أقررت بما يقوله الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقول ما لم يكن ، ولئن أنكرت ما تقولون لا تصدقوني ، فأقول ما قاله أبو يوسف [٣] : صبر جميل والله المستعان على ما تصفون [٤] ، على أني لا أنكر عيوبي فأنا معدن العيوب ، ولا أجحد ذنوبي فأنا جبل الذنوب ، إلى الله أشكو عجري وبجري ، وسقطاتي وغلطاتي ، نعم كل شيء ولا ما يقوله المتقول ، المشنع المهوّل ، الناطق بفم الشيطان المسوّل ، ومن أمثالهم «سبّني واصدق ، ولا تفتر ولا تخلق» أفمثلي كان يفعل أمثالها ، ويحتمل من الأوزار المضاعفة أحمالها؟ ويهلك نفسه ويحبط أعمالها ، عياذا بالله من خسران الدين ، وإيثار الجاحدين والمعتدين ، قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ، وايم الله لو علمت شعرة في فوديّ تميل إلى تلك الجهة لقطعتها ، بل لقطفت ما تحت عمامتي من هامتي وقطّعتها ، غير أن الرعاع [٥] في كل وقت وأوان ، للملك أعداء وعليه أحزاب وأعوان ، كان أحمق أو أجهل من أبي ثروان [٦] ، أو أعقل أو أعلم من أشجّ [٧] بني مروان ، ربّ متّهم بري ، ومسربل بسربال وهو منه عري ، وفي الأحاديث صحيح وسقيم ، ومن التراكيب المنطقية منتج وعقيم ، ولكن ثم ميزان عقل ، تعتبر به أوزان النقل ، وعلى الراجح الاعتماد ، ثم إشاعة الأحماد ، المتصل المتماد ، وللمرجوح الاطراح ، ثم التزام الصراح ، بعد النّفض من الراح ، وأكثر ما تسمعه الكذب ، وطبع جمهور الخلق إلا من عصمه الله تعالى إليه منجذب ، ولقد قذفنا من الأباطيل بأحجار ، ورمينا بما لا يرمى به الكفار ، فضلا عن الفجار ، وجرى من الأمر المنقول على لسان زيد وعمرو ، ما لديكم منه حفظ الجار وإذا عظم الإنكاء ، فعلى تكاءة التجلد الاتكاء ، أكثر المكثرون ، وجهد في تعثيرنا المتعثرون ، ورمونا عن قوس واحدة ، ونظمونا في سلك
[١] في ب «واحترامي إليه».
[٢] هي أم المؤمنين عائشة ابنة الصديق أبي بكر.
[٣] أبو يوسف : أرادت به أم المؤمنين يعقوب ٧.
[٤] الآية ١٨ من سورة يوسف (وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ).
[٥] الرعاع : الغوغاء والسفلة.
[٦] أبو ثروان : هو هبنقة العقيس الذي ضرب به المثل في الحماقة.
[٧] أشج بني مروان : هو عمر بن عبد العزيز.