نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٨٣ - رسالة الحافظ ابن الأبار التي أجابه عنها القاضي أبو المطرف برسالته السابقة
أن يصوح [١] من الروض نبته وجنّاته ، ويصرح بالقبول حلمه وأناته ، الحديث عن القديم شجون [٢] ، والشأن بتقاضي الغريم شؤون ، فلا غرو أن أطارحه إياه ، وأفاتحه الأمل في لقياه ، ومن لي بمقالة مستقلة ، أو إخالة [٣] غير مخلة ، أبت البلاغة إلا عمادها ، ومع ذلك فسأنيىء عمادها [٤] ، درجت اللّدات [٥] والأتراب ، وخرجت الروم بنا إلى حيث الأعراب ، أيام دفعنا لأعظم الأخطار ، وفجعنا بالأوطان والأوطار ، فإلام نداري برح الألم ، وحتام نساري النجم في الظلم ، جمع أوصاب ما له من انفضاض ، ومضض اغتراب شذ عن ابن مضاض ، فلو سمع الأول بهذا الحادث ، ما ضرب المثل بالحارث [٦] ، يا لله من جلاء ليس به يدان ، وثناء قلما يسفر عن تدان ، وعد الجدّ العاثر لقاءه فأنجز ، ورام الجلد الصابر انقضاءه فأعجز ، هؤلاء الأخوان ، مكثهم لا يمتع به أوان ، وبينهم كنبت الأرض ألوان ، بين هائم بالسّرى ، ونائم في الثرى ، من كل صنديد بطل ، أو منطيق غير ذي خطأ ولا خطل ، قامت عليه النوادب ، لما قعدت [به][٧] النوائب ، وهجمت بيوتها لمنعاه الجماجم والذوائب ، وأما الأوطان المحبّب عهدها بحكم الشباب ، المشبّب فيها بمحاسن الأحباب ، فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد ، وأخنى عليها الذي أخنى على لبد ، أسلمها الإسلام ، وانتظمها الانتثار والاصطلام ، حين وقعت أنسرها الطائرة ، وطلعت أنحسها الغائرة ، فغلب على الجذل الحزن ، وذهب مع المسكن السّكن : [البسيط]
| كزعزع الريح صكّ الدوح عاصفها | فلم يدع من جنى فيها ولا غصن | |
| وآها وواها يموت الصّبر بينهما | موت المحامد بين البخل والجبن [٨] |
أين بلنسية ومغانيها ، وأغاريد ورقها وأغانيها [٩] ، أين حلى رصافتها وجسرها ، ومنزلا عطائها ونصرها؟ أين أفياؤها تندى غضارة ، وذكاؤها تبدو من خضارة [١٠]؟ أين جداولها
[١] يصوح : ييبس.
[٢] أخذه من المثل «الحديث ذو شجوت».
[٣] الإخالة : تفرس الخير وتوسّمه.
[٤] في ب ، ه «فأستنبىء عمادها».
[٥] اللدات : جمع لدة : المساوي في السن ، والأتراب جمع ترب ، وهو أيضا المساوي في السن.
[٦] الحارث بن مضاض الجرهمي قال قصيدة يبكي فيها تفرق قومه وتشتتهم.
[٧] «به» ساقطة من ب.
[٨] في ب «واها وآها».
[٩] ورق : جمع ورقاء ، وهي الحمامة.
[١٠] في أ«وركاؤها» وذكاء : الشمس. وخطارة : البحر.