نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٧٣ - ترجمة الفتح للراضي بالله بن المعتمد
زال يدبّرها بجوده ونهاه ، ويورد الآمل فيها مناه [١] ، حتى غدت عراقا ، وامتلأت إشراقا ، إلى أن اتفق في أمر الجزيرة ما اتفق ، وخاب فيها الرجاء وأخفق ، واستحالت بهجتها ، وأحالت عليها من الحال [٢] لجتها ، فانتقل إلى رندة معقل أشب ، ومنزل للسّماك منتسب ، وأقام فيها رهين حصار ، ومهين حماة وأنصار ، ولقيت ريحه كل إعصار ، حتى رمته سهام الخطوب عن قسيّها ، وأمكنت منه يدي مسيّها ، فحواه رمسه ، وطواه عن غده أمسه ، حسبما بسطنا القول فيه ، فيما مر من أخبار أبيه ، انتهى.
والذي أشار إليه هنا وأحال عليه فيما تقدم له من أخبار المعتمد هو قوله بعد حكايته قتل المأمون بن المعتمد بقرطبة وسياقه [٣] أخبار ذلك ما نصه [٤] : ثم انتقلوا إلى رندة أحد [٥] معاقل الأندلس الممتنعة ، وقواعدها السامية المرتفعة ، تطرد منها على بعد مرتقاها ، ودنوّ النجوم من ذراها ، عيون لانصبابها دويّ كالرعد القاصف ، والرياح العواصف ، ثم تتكوّن واديا يلتوي بجوانبها التواء الشجاع [٦] ، ويزيدها في التوعر والامتناع ، وقد تجوّنت نواحيها وأقطارها ، وتكوّنت فيها لباناتها وأوطارها ، لا يتعذر لها مطلب ، ولا يتصوّر فيها عدوّ إلا عقله [٧] ناب أو مخلب ، فلما أناخوا [٨] منها على بعد ، وأقاموا من الرجاء فيها على غير وعد ، وفيها ابنه الراضي لم يحفل بإناحتهم بإزائه ، ولا عدّها من أرزائه ، لامتناعه من منازلتهم ، وارتفاعه عن مطاولتهم ، إلى أن انقضى في [أمر] إشبيلية ما انقضى ، وأفضى أمر أبيه إلى ما أفضى ، فحمل على مخاطبته لينزل عن صياصيه ، ويمكنهم من نواصيه ، فنزل برا بأبيه ، وإبقاء على أرماق ذويه ، بعد أن عاقدهم مستوثقا ، وأخذ عليهم عهدا من الله وموثقا ، فلما وصل إليهم ، وحصل في يديهم ، مالوا به عن الحصن [٩] وجرعوه الردى ، وأقطعوه الثرى حين أودى ، وفي ذلك يقول المعتمد يرثيهما ، وقد رأى قمرية بائحة بشجنها ، نائحة بفننها على سكنها ، وأمامها وكر فيه طائران يرددان نغما ، ويغردان ترحة وترنما : [الطويل]
| بكت أن رأت إلفين ضمّهما وكر | مساء وقد أخنى على إلفها الدّهر | |
| وناحت فباحت واستراحت بسرّها | وما نطقت حرفا يباح به سرّ [١٠] |
[١] في ه «ويورد الأمل فيها منتهاه».
[٢] في ه «من الحوادث لجتها».
[٣] في ب «وسياقة أخبار ...».
[٤] القلائد ص ٢٠.
[٥] في أ«إحدى معاقل الأندلس».
[٦] الشجاع : الثعبان.
[٧] في ب ، ه «علقه».
[٨] في ه «فأناخوا».
[٩] في ه «مالوا به إلى ناحية من الحصن».
[١٠] في ب ، ه «يبوح به سر».