نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٩٥ - القصر الزاهي من قصور المعتمد ، وشعر له يشتاقه فيه وهو أسير بسجن أغمات
وقال الفتح أيضا [١] : ولما نقل المعتمد من بلاده ، وأعرى من طارفه وتلاده ، وحمل في السفين ، وأحلّ في العدوة محلّ الدفين ، تندبه منابره وأعواده ، ولا يدنو منه زوّاره ولا عوّاده ، بقي أسفا تتصعد زفراته ، وتطرد اطراد المذانب [٢] عبراته ، لا يخلو بمؤانس ، ولا يرى إلا عرينا بدلا من تلك المكانس [٣] ، ولما لم يجد سلوا ، ولم يؤمّل دنوا ، ولم ير وجه مسرة مجلوّا ، تذكر منازله فشاقته ، وتصور بهجتها فراقته ، وتخيل استيحاش أوطانه ، وإجهاش قصره إلى قطّانه ، وإظلام جوه من أقماره ، وخلوه من حرّاسه وسمّاره ، فقال : [البسيط]
| بكى المبارك في إثر ابن عباّد | بكى على إثر غزلان وآساد | |
| بكت ثرياه لاغمّت كواكبها | بمثل نوء الثريّا الرّائح الغادي | |
| بكى الوحيد ، بكى الزاهي وقبته | والنهر والتاج ، كل ذله بادي | |
| ماء السماء على أفيائه درر | يا لجّة البحر دومي ذات إزباد [٤] |
وفي ذلك يقول ابن اللبانة : [البسيط]
| أستودع الله أرضا عندما وضحت | بشائر الصّبح فيها بدّلت حلكا [٥] | |
| كان المؤيّد بستانا بساحتها | يجني النعيم وفي عليائها فلكا | |
| في أمره لملوك الدّهر معتبر | فليس يغترّ ذو ملك بما ملكا | |
| نبكيه من جبل خرّت قواعده | فكلّ من كان في بطحائه هلكا |
وكان القصر [٦] الزاهي من أجمل المواضع لديه وأبهاها ، وأحبها إليه وأشهاها ، لإطلاله على النهر ، وإشرافه على القصر ، وجماله في العيون ، واشتماله بالزهر والزيتون [٧] ، وكان له به من الطرب ، والعيش المزري بحلاوة الضّرب [٨] ، ما لم يكن بحلب لبني حمدان ، ولا لسيف بن ذي يزن في رأس غمدان ، وكان كثيرا ما يدير به راحه ، ويجعل فيه انشراحه ، فلما
[١] القلائد ص ٣.
[٢] المذانب : الدلاء.
[٣] العرين : مأوى السباع. والمكانس : مأوى الظباء.
[٤] في ه «ماء السماء على أبنائه درر».
[٥] الحلك : الظلمة.
[٦] في ه «الحصن الزاهي» وفي القلائد «الحصن الزاهر».
[٧] في القلائد «بالشجر والزيتون».
[٨] الضّرب ـ بالتحريك : العسل الأبيض الغليظ.