نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٧٥ - ترجمة الفتح للراضي بالله بن المعتمد
| لا غرو أن زاد في وجدي مرورهم | فرؤية الماء تذكي غلّة الصّادي |
ولما وصل المعتمد [١] لورقة أعلم أن العدو قد جيش لها واحتشد ، ونهد نحوها وقصد ، ليتركها خاوية على عروشها ، طاوية الجوانح على وحوشها ، فتعرض له المعتمد دون بغيته ، وطلع عليه من ثنيّته ، وأمر الراضي بالخروج إليه في عسكر جرّده لمحاربته ، وأعده لمصادمته ، ومضاربته ، فأظهر التمرض والتشكي [٢] ، وأضمر التقاعس والتلكي ، فرارا من المصادمة ، وإحجاما عن المساومة [٣] ، وجزعا من منازلة الأقران ، ومقابلة ذوابل المرّان ، ومقاساة الطعان ، وملاقاة أبطال كالرّعان ، ورأى أن المطالعة ، أرجح من المقارعة ، ومعاناة العلوم ، أربح من مداواة الكلوم [٤] ، فقد كان عاكفا على تلاوة ديوان ، عارفا بإجادة صدر وعنوان ، فعلم المعتمد ما نواه ، وتحقق ما لواه ، فأعرض عنه ، ونفض يده منه ، ووجه المعتدّ [٥] مع ذلك الجيش الذي لم تنشر بنوده ، ولا نصرت جنوده ، فعندما لاقوا العدو لاذوا بالفرار ، وعاذوا بإعطاء الغرة بدلا من الغرار ، وتفرقوا في تلك الأماريت [٦] ، وفرقوا من تخطف أولئك العفاريت ، فتحيف العدوّ من بقي مع المعتد واهتضمه ، وخضم ما في العسكر وقضمه ، وغدت مضاربه مجرّ عواليه ، ومجرى مذاكيه ، وآب أخسر من بائع السّدانة [٧] ، ومضيع الأمانة ، فانطبقت سماء المعتمد على أرضه ، وشغلته عن إقامة نوافله وفرضه ، فكتب إليه الراضي : [البسيط]
| لا يكر ثنّك خطب الحادث الجاري | فما عليك بذاك الخطب من عار | |
| ما ذا على ضيغم أمضى عزيمته | إن خانه حدّ أنياب وأظفار [٨] | |
| لئن أتوك فمن جبن ومن خور | قد ينهض العير نحو الضّيغم الضّاري [٩] | |
| عليك للنّاس أن تبقى لنصرتهم | وما عليك لهم إسعاد أقدار | |
| لو يعلم الناس فيما أن تدوم لهم | بكوا لأنّك من ثوب الصّبا عاري |
[١] في ب ، ه «ولما وصل العدو» محرفا.
[٢] في ب ، ه «فأظهر التمارض والتشكي».
[٣] في ه «فرارا من المصادرة ، وإحجاما عن المساورة».
[٤] الكلوم : الجروح.
[٥] في ج «وتوجه المعتد».
[٦] الأماريت : الأراضي المنبسطة.
[٧] بائع السدانة : هو أبو غبشان الذي باع سدانة الكعبة لقصي بن كلاب.
[٨] الضيغم : الأسد.
[٩] الخور : الضعف ، والعير : الحمار.