نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٢١ - نص رسالة كتبها أبو عبد الله محمد بن عبد الله العربي العقيلي على لسان سلطان الأندلس المخلوع إلى سلطان فاس ، وتسمى هذه الرسالة «الروض العاطر الأنفاس ، وفي التوسل إلى الإمام سلطان فاس»
ولا قلامة ظفر ، إذن فمن سلمت له نفسه التي هي رأس ماله ، وعياله وأطفاله اللذان هما من أعظم آماله ، وكلّ أو جلّ أو أقل رياشه ، وأسباب معاشه الكفيلة بانتهاضه وانتعاشه ، ثم وجد مع ذلك سبيلا إلى الخلاص ، في حال مياسرة ومساهلة دون تصعب واعتياص [١] ، بعد ما ظن كل الظن أن لا محيد ولا مناص ، فما أحقّه حينئذ وأولاه ، أن يحمد خالقه ورازقه ومولاه ، على ما أسداه إليه من رفده وخيره ، ومعافاته مما ابتلي به كثير من غيره ، ويرضى بكل إيراد وإصدار ، تتصرف فيهما [٢] الأحكام الإلهية والأقدار ، فالدهر غدّار ، والدنيا دار مشحونة بالأكدار ، والقضاء لا يرد ، ولا يصدّ ، ولا يغالب ، ولا يطالب ، والدائرات تدور ، ولا بدّ من نقص وكمال للبدور ، والعبد مطيع لا مطاع ، وليس يطاع إلا المستطاع ، وللخالق القدير جلت قدرته في خليقته علم غيب للأذهان عن مداه انقطاع.
وما لي والتكلف لما لا أحتاج إليه من هذا القول ، بين يدي ذي الجلال والمجادة والفضل والطّول [٣]؟ فله من العقل الأرجح ، ومن الخلق الأسجح ، ما لا تلتاط معه تهمتي بصفره [٤] ، ولا تنفق عنده وشاية الواشي لا عدّ من نفره ، ولا فاز قدحه بظفره ، والمولى يعلم أن الدنيا تلعب باللاعب ، وتجر براحتها إلى المتاعب ، وقديما للأكياس من الناس خدعت ، وانحرفت عن وصالهم أعقل ما كانوا وقطعت ، وفعلت بهم ما فعلت بيسار الكواعب [٥] تلك التي جبّت وجدعت [٦] ، ولئن رهصت وهصرت ، فقد نبهت وبصّرت ، ولئن قرعت ومعضت [٧] ، لقد أرشدت ووعظت ، ويا ويلنا من تنكرها لنا بمرة ، ورميها لنا في غمرة أيّ غمرة ، أيام قلبت لنا ظهر المجنّ ، وغيم أفقها المصحي وأدجن ، فسرعان ما عاينا حبالها منبتّة ، ورأينا منها ما لم نحتسب كما تقوم الساعة بغتة ، فمن استعاذ من شيء فليستعذ مما صرنا إليه من الحور بعد الكور ، وانحطاط [٨] من النجد إلى الغور. [الطويل]
| فبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا | إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف [٩] |
[١] اعتاص اعتياصا الأمر : اشتد وخفي وصعب.
[٢] في ه «تتصرف بها».
[٣] الطول ـ بفتح الطاء وسكون الواو : القوة.
[٤] لا تلتاط معه تهمتي بصفره : أي لا تتعلق تهمتي بقلبه.
[٥] إشارة إلى يسار العبد الذي تعرض لبنت سيده ، فدهنت استه زيتا وربطته قريبا من قرية النمل فأكل النمل أنثييه.
[٦] جبت وجدعت : قطعت.
[٧] في ب «وأمعضت».
[٨] في ب «والانحطاط».
[٩] نتنصف : نسأل أن ينصفنا الناس.