نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٩٤ - بنات المعتمد يزرنه في سجنه بأغمات يوم عيد ، كاسفات البال ، فيقول فيهن شعرا
الأيام ، فأقسمت أنها لم تر منه خيرا قط ، فقال : ولا يوم الطين؟ فاستحيت واعتذرت ، وهذا مصداق قول نبينا صلى الله عليه وسلم في حق النساء «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط».
قلت : ولعل المعتمد أشار في أبياته الرائية إلى هذه القضية حيث قال في بناته : [البسيط]
| يطأن في الطّين والأقدام حافية | كأنّها لم تطأ مسكا وكافورا |
ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى ما جرت به عادة الملوك من ذرّ الطيب في قصورهم حتى يطؤوه بأقدامهم ، زيادة في التنعم.
وسبب قول المعتمد ذلك ما حكاه الفتح فقال [١] : وأول عيد أخذه ـ يعني المعتمد ـ بأغمات وهو سارح ، وما غير الشجون له مسارح [٢] ، ولازي إلّا حالة الخمول ، واستحالة المأمول ، فدخل إليه ، من يسليه ويسلم عليه [٣] ، وفيهم بناته وعليهن أطمار [٤] ، كأنها كسوف وهن أقمار ، يبكين عند التساؤل ، ويبدين الخشوع بعد التخايل ، والضياع قد غير صورهن ، وحير نظرهن ، وأقدامهن حافية ، وآثار نعيمهن عافية ، فقال : [البسيط]
| فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا | فساءك العيد في أغمات مأسورا | |
| ترى بناتك في الأطمار جائعة | يغزلن للنّاس ما يملكن قطميرا [٥] | |
| برزن نحوك للتّسليم خاشعة | أبصارهنّ حسيرات مكاسيرا | |
| يطأن في الطين والأقدام حافية | كأنّها لم تطأ مسكا وكافورا | |
| لا خدّ إلا تشكّى الجدب ظاهره | وليس إلّا مع الأنفاس ممطورا | |
| أفطرت في العيد لا عادت مساءته | فكان فطرك للأكباد تفطيرا [٦] | |
| قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا | فردّك الدهر منهيّا ومأمورا | |
| من بات بعدك في ملك يسرّ به | فإنّما بات بالأحلام مغرورا |
[١] القلائد ص ٢٥.
[٢] في ب ، ج «وما غير الشجون له مبارح».
[٣] في ب ، ه «فدخل عليه من بنيه ، من يسلم عليه ويهنيه».
[٤] الأطمار : جمع طمر ، وهو الثوب البالي.
[٥] القطمير : الشيء الهين القليل الحقير.
[٦] في أ«لا عادت إساءته» وهي جملة دعائية. وتفطيرا : مصدر فطّر ، أي شقّ.