نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٦٦ - وصف ابن اللبانة للمعتضد
أصبح الملك بهم مشرق القسام [١] ، والأيام ذات بهجة وابتسام ، حتى أناخ بهم الحمام ، وعطل من محاسنهم الوراء والأمام ، فنقل إلى العدم وجودهم ، ولم يرع بأسهم وجودهم ، وكل ملك آدمي فمفقود ، وما نؤخره إلا لأجل معدود ، فأول ناشئة ملكهم ، ومحصل الأمر تحت ملكهم ، عظيمهم الأكبر ، وسابقة شرفهم الأجل الأشهر ، وزينهم الذي يعد في الفضائل بالوسطى والخنصر ، محمد بن عباد ، ويكنى أبا القاسم ، واسم والده إسماعيل ، ومن شعره قوله : [السريع]
| يا حبّذا الياسمين إذ يزهر | فوق غصون رطيبة نضّر | |
| قد امتطى للجبال ذروتها | فوق بساط من سندس أخضر [٢] | |
| كأنّه والعيون ترمقه | زمرّد في خلاله جوهر [٣] |
ولنذكر كلام ابن اللبانة وغيره في حقهم فنقول : وصف المعتضد رحمه الله تعالى بما صورته : المعتضد أبو عمرو عبّاد رحمه الله تعالى ، لم تخل أيامه في أعدائه من تقييد قدم ، ولا عطل سيفه من قبض روح وسفك دم ، حتى لقد كانت في باب داره حديقة لا تثمر إلا رؤوسا ، ولا تنبت إلا رئيسا ومرءوسا ، فكان نظره إليها أشهى مقترحاته ، وفي التلفت إليها استعمل جلّ بكره وروحاته ، فبكى وأرق ، وشتت وفرق ، ولقد حكى عنه من أوصاف التجبر ما ينبغي أن تصان عنه الأسماع ، ولا يتعرض له بتصريح ولا إلماع ، ومن نظمه عفا الله عنه [مجزوء الرجز] :
| تتك أمّ الحسن | تشدو بصوت حسن | |
| تمدّ في ألحانها | من الغناء المدني [٤] | |
| تقود منّي ساكنا | كأنّني في رسن [٥] | |
| أوراقها أستارها | إذا شدت في فنن |
وقوله : [الطويل]
| شربنا وجفن اللّيل يغسل كحله | بماء صباح والنّسيم رقيق |
[١] القسام ـ بفتح القاف : الجمال.
[٢] السندس : نوع من رقيق الحرير.
[٣] في ب «في حلاله جوهر».
[٤] كذا في ب ، ج ، عن ه ، وفي أصل ه «مدّ الغناء المدني».
[٥] في أصل ه «تقود مني سلسلا».