نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٦٩ - المعتمد على الله بن المعتضد بن عباد
وللنظم جيد ، أفنى الطغاة بسيفه وأباد ، وأنسى بسيبه ذكر الحارث بن عباد ، فأطلع أيامه في الزمان حجولا وغررا ، ونظم معاليه في أجيادها جواهر ودررا ، وشيد في كل معلوة فناءه ، وعمر بكل نادرة مستغربة وبادرة مستظرفة [١] أوقاته وآناءه ، فنفقت به للمحامد سوق ، وبسقت ثمرات إحسانه أيّ بسوق ، منع وقرى ، وراش [٢] وبرى ، ووصل وفرى ، وكان له من أبنائه عدة أقمار نظمهم نظم الملك ، وزين بهم سماء ذلك السلك ، فكانوا معاقل بلاده ، وحماة طارفه وتلاده ، إلى أن استدار الزمان كهيئته ، وأخذ البؤس في فيئته ، واعتز [٣] الخلاف وظهر ، وسلّ الشتات سيفه وشهر ، والمعتمد رحمه الله تعالى يطلب نفسه أثناء ذلك بالثّبات ، بين تلك الثّبات ، والمقام ، في ذلك المقام ، إلى أن بدل القطب بالواقع ، واتسع الخرق على الراقع ، فاستعضد بابن تاشفين فورد عليه كتابه [٤] يشعر بالوفاء ، فثاب إليه فكر خاطره وفاء [٥] ، وثبت خلال تلك المدة للنّزال ، ودعا من رام حربه نزال [٦] ، إلى أن أصبح والحروب قد نهبته ، والأيام تسترجع منه ما وهبته ، فثل ذلك العرش ، واعتدت الليالي حين أمنت من الأرش [٧] فنقل من صهوات الخيول إلى بطون الأجفان ، وهذه الدنيا جميع ما لديها زائل وكل من عليها فان ، فما أغنت تلك المملكة وما دفعت ، وليتها ما ضرت إذ لم تكن نفعت ، وكل يلقى معجله ومؤجله ، ويبلغ الكتاب أجله.
وقال الفقيه القاضي أبو بكر بن خميس رحمه الله تعالى حين ذكر تاريخ بني عباد : وقد ذكر الناس للمعتمد من أوصافه ، ما لا يبلغ مع كثرته إلى إنصافه ، وأنا الآن أذكر نبذا من أخباره ، وأردفها بما وقفت عليه من منظومات أشعاره ، فإنه رحمه الله تعالى حمّ الأدب [٨] رائقه ، عالي النظم فائقه ، كان يسمى بمحمد ، ويكنى بأبي القاسم ، على كنية جده القاضي ، استبد بالأمر عند موت أبيه المعتضد ، وفي ذلك يقول الحصري رحمه الله تعالى : [مجزوء الرمل]
| مات عبّاد ولكن | بقي الفرع الكريم | |
| فكأنّ الميت حيّ | غير أنّ الضّاد ميم [٩] |
[١] في أصل ه «مستطرفة».
[٢] في أصل ه «رواس وبرى».
[٣] في أصل ه «واغتر الخلاف».
[٤] في ب «فورد عليه خطابه ...».
[٥] فاء هنا بمعنى رجع ، وكذلك ثاب.
[٦] نزال : اسم فعل أمر قياسي بمعنى انزل.
[٧] الأرش : الدية.
[٨] في ب «جمّ الأدب».
[٩] أراد أن ضاد «المعتضد» صارت ميما فصار الملك للمعتمد.