نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٩٢ - للأديب الكاتب الحافظ المؤرخ أبي عبد الله محمد بن الحداد الوادي آشي نزيل تلمسان ، في ضياع بلاد الأندلس
المسلمين والاختلاف ، وتضريبهم بالمكر والخديعة بين ملوك الجزيرة ، وتحريشهم بالكيد والخلابة بين حماتها في الفتن المبيرة [١] ، ومهما كانت الكلمة مؤتلفة ، والآراء لا مفترقة ولا مختلفة ، والعلماء بمعاناة اتفاق القلوب إلى الله مزدلفة ، فالحرب إذ ذاك سجال [٢] ، ولله تعالى في إقامة الجهاد في سبيله رجال ، وللممانعة في غرض المدافعة ميدان رحب ومجال ، وروية وارتجال.
إلى أن قال : وتطاولت الأيام ما بين مهادنة ومقاطعة ، ومضاربة ومقارعة ، ومنازلة ومنازعة ، وموافقة وممانعة ، ومحاربة وموادعة ، ولا أمل للطاغية إلا في التمرس بالإسلام والمسلمين ، وإعمال الحيلة على المؤمنين ، وإضمار المكيدة للموحّدين ، واستبطان الخديعة للمجاهدين ، وهو يظهر أنه ساع للوطن في العاقبة الحسنى ، وأنه منطو لأهله على المقصد الأسنى ، ومهتم بمراعاة أمورهم ، وناظر بنظر المصلحة لخاصتهم وجمهورهم ، وهو يسرّ حسوا في ارتغائه [٣] ، ويعمل الحيلة في التماس هلك الوطن وابتغائه ، فتبّا لعقول تقبل مثل هذا المحال ، وتصدق هذا الكذب بوجه أو بحال ، وليت المغرور الذي يقبل هذا لو فكر في نفسه ، وعرض هذا المسموع على مدركات حسّه ، وراجع أوّليّات عقله وتجربيات حدسه ، وقاس عدوه الذي لا ترجى مودته على أبناء جنسه ، فأنا أنا شده الله هل بات قط بمصالح النصارى وسلطانهم مهتما ، وأصبح من خطب طرقهم مغتما ، ونظر لهم نظر المفكر في العاقبة الحسنة ، أو قصد لهم قصد المدبر في المعيشة المستحسنة ، أو خطر على قلبه أن يحفظ في سبيل القربة أربابهم وصلبانهم ، أو عمر ضميره من تمكين عزهم بما ترضاه أحبارهم ورهبانهم [٤] ، فإن لم يكن ممن يدين بدينهم الخبيث ، ولم يشرب قلبه حب التثليث ، ويكون صادق اللهجة ، منصفا عند قيام الحجة ، فسيعترف أن ذلك لم يخطر له قط على خاطر ولا مر له ببال ، وأن عكس ذلك هو الذي كان به ذا اغتباط وبفعله ذا اهتبال [٥] ، وإن نسب لذلك المعنى فهو عليه أثقل من الجبال ، وأشد على قلبه من وقع النبال ، هذا وعقده التوحيد ، وصلاته التحميد ، وملته الغراء ، وشريعته البيضاء ، ودينه الحنيف القويم ، ونبيه الرؤوف الرحيم ، وكتابه القرآن الحكيم ، ومطلوبه بالهداية الصراط المستقيم ، فكيف نعتقد هذه المريبة الكبرى ، والمنقبة الشهرى ، لمن
[١] المبيرة : المهلكة.
[٢] الحرب بينهم سجال : أي حينا على هذا الفريق وحينا على ذاك.
[٣] «يسر حسوا في ارتغاء» مثل يضرب لمن يأخذ الكثير وهو يظهر الاكتفاء بالقليل.
[٤] الأحبار : جمع حبر ، وهو العالم. وهنا رجل دين عند النصارى.
[٥] اهتبله اهتبالا : خدعه واحتال عليه.