التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣١ - ٥ - سورة براءة مدنية
ينقلني من الأصلاب الطيّبة الى الأرحام الطاهرة مصفى مهذّبا ...[١].
و الى هذا المعنى جاء تأويل قوله تعالى: «وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ»[٢] أي لم تزل تنتقل من صلب مؤمن موحّد الى صلب مؤمن موحّد. قال مجاهد: من نبيّ الى نبيّ حتى اخرجت نبيّا[٣]. قال العلّامة الطبرسي: و قيل: معناه: و تقلّبك في اصلاب الموحّدين من نبيّ الى نبي حتى اخرجك نبيّا عن ابن عباس في رواية عطا و عكرمة. و هو المروي عن أبي جعفر الإمام محمد بن علي الباقر، و أبي عبد اللّه الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) قالا: في أصلاب النبيّين نبيّ بعد نبيّ حتى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم (عليه السلام)[٤].
*** و الصحيح في سبب نزول الآية: ما ذكره أبو علي الطبرسي: أنّ المسلمين جاءوا الى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يطلبون إليه الاستغفار لموتاهم الذين مضوا على الكفر أو النفاق، قالوا: الا تستغفر لآبائنا الذين ماتوا في الجاهلية، فنزلت الآية[٥].
و ممّا يدلّنا على صحّة هذه الرواية و بطلان الرواية الأولى: أنّ الآية الكريمة جاءت بلفظ «ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ...» فلو صحّت تلك الرواية لما كان هناك سبب معقول لإرداف غيره (صلى اللّه عليه و آله) من المؤمنين معه في هذا الإنكار الصارم.
و أخيرا فإنّ هذه الآية و الآية رقم: ٨٠ و الآية رقم: ٨٤ نزلن جميعا على نمط واحد، و السبب شيء واحد: هو ما كان المؤمنون على رجاء أن يترحّم على آبائهم و امّهاتهم و أقربائهم الذين ماتوا على الكفر، ملتمسين من النبيّ (صلى اللّه عليه
[١] الدر المنثور: ج ٣ ص ٢٩٤.
[٢] الشعراء: ٢١٩.
[٣] الدر المنثور: ج ٥ ص ٩٨.
[٤] مجمع البيان: ج ٧ ص ٢٠٧.
[٥] مجمع البيان: ج ٥ ص ٧٦.