التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٨ - ٤ - سورة الانفال مدنية
و استثني أيضا- قوله: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[١]. و صحّح هذا الاستثناء ابن العربي و غيره[٢] و ذلك لما أخرجه أبو محمد من طريق طارق عن عمر بن الخطاب، قال: أسلمت رابع أربعين فنزلت «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ». و هكذا روي عن ابن عباس[٣].
لكن يعارضه ما روي عن الكلبي، قال: نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر[٤] و قال الواقدي: نزلت بالمدينة في بني قريظة و بني النضير[٥].
هذا ... و سياق الآية يشهد بمدنيّتها، نزلت في إبان تشريع القتال، سواء أ مع المشركين أم مع أهل الكتاب. فالآية يسبقها قوله تعالى: «الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ ...» «فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ ...».
«وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ». «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ...» «وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ...». «وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ...»[٦].
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ ...».
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ...»[٧].
انظر الى هذا السياق المنسجم بعضه مع بعض انسجاما يجعلنا على ثقة من وحدة مترابطة نزلت جملة واحدة.
و أيضا: لا معنى لكفاية أربعين رجلا أسلموا بمكة و هم على ضعف ما داموا فيها. الأمر الذي يؤكّد من نزول الآية بالمدينة حيث جعلت تزداد شوكة المؤمنين و تقوى جانبهم مع الأيّام و الساعات، فكانت فيهم الكفاية و الكفاءة.
[١] الانفال: ٦٤.
[٢] الإتقان: ج ١ ص ١٥.
[٣] الدر المنثور: ج ٣ ص ٢٠٠.
[٤] مجمع البيان: ج ٤ ص ٥٥٧.
[٥] تفسير التبيان: ج ٥ ص ١٥٢.
[٦] الأنفال: ٥٦ و ٥٧ و ٥٩ و ٦٠ و ٦١ و ٦٢.
[٧] الأنفال: ٦٤ و ٦٥.