التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٨ - ١٠ - سورة الإسراء مكية
و أخرج الحافظ الحسكاني حديث نزول الآية بشأن إعطاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا، بأسانيد و طرق عديدة[١].
قلت: و لكن ظاهر الآية كونها شريعة عامّة، وظيفة لكلّ مسلم، و جاءت مجملة بوجوب الإنفاق على ذوي القربى و المساكين، كما هو طابع التشريعات المكيّة، ثم فصّلت حدودها بعد الهجرة بالمدينة.
و الآية بعمومها شاملة للنبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فهو أيضا مأمور بمواصلة الأرحام و الإنفاق عليهم و على الفقراء، كأحد المسلمين.
إذن فالآية- لعلّها- نزلت للمرة الثانية بعد فتح خيبر، و بعد ما أفاء اللّه على رسوله و المؤمنين، نزل بها جبرئيل يذكّره بها وجوب مواصلة قرباه، فدعى فاطمة (عليها السلام) و أعطاها فدكا، و لا دليل على أنّ الآية نزلت- في أوّل نزولها- حينذاك.
أو لعلّ الآية التي نزلت بخيبر، بشأن مواصلة القربى، كانت غيرها:
فقد ورد في حديث «منهال بن عمرو» بالشام- أيضا- عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في قوله تعالى: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ»[٢].
و أهل القرى: هم بنو قريظة و بنو النضير. و القرى، هي: فدك و خيبر و عرينة و ينبع، أصبحت غنائم في يد المسلمين. و قد نزلت الآية بشأنها حينذاك[٣].
فلو صحّ أنّ جبرئيل (عليه السلام) جاء بالآية الأولى أيضا، فهو تذكير للنبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بحكم سابق، و تأكيد لحكم حاضر. هذا إذا لم يكن الراوي قد اشتبهت عليه إحدى الآيتين بالأخرى!***
[١] شواهد التنزيل: ج ١ ص ٣٣٨- ٣٤١.
[٢] الحشر المدنية: ٧.
[٣] مجمع البيان: ج ٩ ص ٢٦٠- ١٦١. و جاء في الدر المنثور: ج ٦ ص ١٨٩ إشارة.