التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٧ - ٣ - تهافته مع آي السورة
و إنّما تعنيان شيئا آخر ذكره المفسّرون. و سيأتي تفصيل الكلام فيهما في خاتمة الجزء الثالث من هذا الكتاب عند التعرض لمسألة العصمة عند الكلام عن عصمة خاتم النبيين (صلى اللّه عليه و آله) و اليك الآن اجمال الكلام فيهما:
أمّا الآية من سورة الاسراء: «وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ...» فهي- كما أشار إليه هيكل- صريحة في أنّه (صلى اللّه عليه و آله) لم يفعل ... بدليل «لو لا» الامتناعيّة .. فهي إن دلّت فإنّما تدلّ على أنّ مقام عصمته (صلى اللّه عليه و آله) التي هي عناية من اللّه خاصّة بأوليائه المنتجبين هي التي تحول دائما دون ارتكاب أيّة رذيلة مهما كانت صغيرة أو كبيرة ..
و كم حاول أهل الزيغ و الفساد أن يميلوا بمنهج الإسلام المستقيم، سواء بدسائسهم حال حياة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) أم بعد وفاته ... و لكن أنّى لهم التناوش من مكان بعيد .. إنّا نحن نزّلنا الذّكر و إنا له لحافظون.
فالآية تضمين بسلامة هذه الشريعة دون تحريف المبطلين .. و كاف الخطاب إنّما وردت من باب «إيّاك أعني و اسمعي يا جارة» .. كما ورد في التفسير .. و ليكون ذلك اعتبارا لأولياء المسلمين طول عهد التاريخ أبدا ..
و كذا الآية من سورة الحج: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ» ... لا مساس لها بقصّة الغرانيق .. بعد أن كانت تشير الى ظاهرة طبيعيّة كانت تخالج نفوس كبار المصلحين أبدا .. و هي: تحكيم مباني دعوتهم الإصلاحية، و تدعيم اسسها و قوائمها، دون تضعضع أو ضياع أو فساد، و أن تطبّق شريعة اللّه عامّة الخلائق و كافّة الأمم، و أن تزدهر معالمها و تزهو أنوارها في ارجاء العالم المعمور .. هذه هي امنية كلّ رسول أو نبيّ، بل و كلّ قائم بالإصلاح خالصا مخلصا له الدين[١] ... غير أنّ دسائس أهل الزيغ و الفساد ..
[١] و قد عبّر عنه في لسان أحاديث أهل البيت( عليهم السلام) بالمحدث، أي الملهم باصول الخير و مناشئ البركات، بإشراق ملكوتيّ مفاض عليه من عند ربّ العالمين. راجع تفسير الصافي: ج ١ ص ١٣٠.