التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٤ - ٣ - تهافته مع آي السورة
شأن من شئونه المعتصمة بعصمة اللّه تعالى، قال: «من رآني فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي»[١]. و قد فهم العلماء من هذا الحديث قاعدة كليّة:
لا يستطيع إبليس التمثّل بأيّ وليّ من أولياء اللّه العباد المخلصين، و بالأحرى:
عدم استطاعته التمثّل بجبرائيل، ملك الوحي المقرّب الأمين!! إذن فأنّى لإبليس التلاعب بوحي السماء، أو أن ينتحل صورة رسول من رسل اللّه الأكرمين! كلّا، «لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ»[٢].
٣- تهافته مع آي السورة:
قال القاضي عياض- أيضا-: «و وجه ثان، و هو استحالة هذه القصة نظرا و عرفا، و ذلك أنّ هذا الكلام لو كان- كما روي- لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذمّ، متخاذل التأليف و النظم، و لما كان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و لا من بحضرته من المسلمين و صناديد المشركين ممّن يخفى عليه ذلك. و هذا لا يخفى على أدنى متأمّل، فكيف بمن رجح حلمه و اتسع في باب البيان و معرفة فصيح الكلام علمه»[٣].
أ فهل يتصوّر بشأن النبي محمد (صلى اللّه عليه و آله) و هو العارف بمواقع الكلام، الناقد لأفصح أقوال العرب الفصحاء، أن يلتبس عليه شأن كلام ساقط، لا يتناسب و سائر جمل و آيات كانت تنزل عليه حينذاك؟! أم كيف ينسجم ما ذكروه مع قوله تعالى: «إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ»[٤] أم كيف يقتنع المشركون- و هم أهل نقد و فصاحة- بتلك المجاملة المفضوحة: يقترن مدح مشكوك، بذلك القدح الصارم،
[١] صحيح مسلم: ج ٧ ص ٥٧.
[٢] الصافات: ٨.
[٣] الشفا: ج ٢ ص ١١٩.
[٤] النجم: ٢٣.