التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٥ - اسطورة الغرانيق
و آله) و يجعل من تسويلاته الشيطانيّة في صورة وحي و يلبسه على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) ليزعمه وحيا من اللّه. فهو أمر مستحيل، لأنّ الشيطان لا يستطيع الاستحواذ على عقليّة رسل اللّه و عباده المكرمين: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ»[١]. و متناف مع قوله تعالى: «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ...»[٢]. و قوله تعالى: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى»[٣]. و قد قال الشيطان: «وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي»[٤] و متناف مع قاعدة اللطف الآنفة، و متناقض مع حكمته تعالى في بعث الأنبياء (عليهم السلام) في شرح سبق تفصيله.
نعم ذهب أصحاب الحديث من العامّة الى إمكان استحواذ الشيطان على عقليّة الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كما جاءت روايتهم لقصّة الغرانيق، الأمر الذي نراه مستحيلا إطلاقا، و من ثم فهي اسطورة وضعها من يريد الامتهان بمقام الرسالة، ليعبّر بها على عقول البسطاء، فكانت غنيمة بأيدي أعداء الإسلام. و إليك نصّ الأسطورة و نقدها تباعا:
اسطورة الغرانيق:
روى ابن جرير الطبري بإسناد زعمها صحيحة، عن محمد بن كعب، و محمد بن قيس، و سعيد بن جبير، و ابن عباس، و غيرهم: أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) كان في حشد من مشركي قريش، بفناء الكعبة، أو في ناد من أنديتهم. و كانت تساوره نفسه لو يأتيه شيء من القرآن يقارب بينه و بين قومه الألدّاء. إذ كان يتألّم من مباعدتهم، و كان يرجو الائتلاف معهم مهما
[١] الاسراء: ٦٥.
[٢] الحاقة: ٤٤- ٤٥.
[٣] النجم: ٣- ٥.
[٤] إبراهيم: ٢٢.