التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٣ - الوحي لا يحتمل التباسا
و تلقّي كلماته، فيرى حقيقة الحقّ النازل عليه بشعور واع و بصيرة نافذة، كمن يرى الشمس في وضح النهار، لا يحتمل خطأ في إبصاره و لا التباسا فيما يعيه.
و هكذا الوحي إذ لم يكن فكرة نابعة من داخل الضمير، ليحتمل الخطأ في ترتيب مقدّمات استنتاجها. أو إبصارا من بعيد ليتحمّل التباسا في الانطباق[١]. بل هي مشاهدة حقيقة حاضرة بعين نافذة. فاحتمال الخطأ فيه مستحيل.
*** تلك طريقة علميّة فلسفيّة[٢] تهدينا الى الاعتراف بعدم احتمال الوحي الخطأ أبدا. و من ثم فإنّ شريعة اللّه النازلة على أيدي رسله الأمناء، مصونة عن احتمال الخطأ رأسا.
و هناك طريقة اخرى عقليّة تحتّم لزوم عصمة الأنبياء، فيما يبلّغون من شرائع اللّه، يفصّلها علماء الكلام. و تتلخّص في أنّ النبيّ المبلّغ عن اللّه، يجب- في ضوء قاعدة اللطف- أن ينعم بصحّة كاملة في أجهزة إحساسه، و سلامة تامّة
[١] الخطأ إنّما يحتمل في مجالين: إمّا في مجال التفكير أو في مجال الإبصار الخارجي- مثلا- و ذلك لأنّ للاستنتاج الفكري شرائط و أحكاما، إذا ما أهملها المتفكّر فسوف يقع في خطأ التفكير، و كذلك إبصار العين الخارجيّة إذا كان من بعيد، فربّما يقع الخطأ فيه من ناحية تطبيق ما عند النفس من مرتكزات و معلومات على خصوصيّات يراها موجودة في العين الخارجيّة، فالخطأ إنّما هو في هذا التطبيق النفسي، لا في العين المشاهدة. لأنّ الإبصار عبارة عن انطباع صورة الخارج- و هي واقعيّة لا تتغيّر- في الشبيكة العصبيّة خلف بؤرة العين.
و هذه ظاهرة طبيعيّة تتحقّق ذاتيا إذا ما تحققت شرائطها. نعم كانت النفس هي التي تحكم على ما شاهدته العين بأنّه كذا و كذا، و الخطأ إنّما هو في هذا الحكم، لا في ذاك الإبصار الطبيعي.
إذن فيما أنّ الوحي خارج عن الأمرين، لا تفكير و لا إبصار من بعيد- مثلا- و إنّما هو لمس حقيقة حاضرة فلا موقع للخطأ فيه أصلا.
[٢] راجع: ما كتبه الأستاذ العلّامة الطباطبائي بهذا الصدد في رسالة الوحي« وحي يا شعور مرموز» ص ١٠٤.