التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٠ - قصة ورقة بن نوفل
الأمّة. و لوددت أن أدرك أيّامه فأؤمن به و أنصره. فعادت خديجة الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و أخبرته بما قال، فعند ذلك اطمأنّ باله، و ذهبت روعته، و أيقن أنّه نبيّ[١].
*** قلت: لا شكّ أنّ قصة ارتباع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بتلك الصورة الفظيعة، اسطورة خرافة حاكتها عقول ساذجة، جاهلة بمقام أنبياء اللّه الكرام.
و من ثم فهي إزراء بشأنهم الرفيع، و حطّ من منزلتهم الشامخة، إن لم تكن ضعضعة بأقوى دعامة رسالة اللّه! أوّلا: النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أكرم على اللّه من أن يروّعه في ساعة حرجة هي نقطة حاسمة في حياة رسوله الكريم، هي نقطة تحوّل عظيم، من إنسان كامل كان مسئول نفسه، الى إنسان رسول هو مسئول امّة بأجمعها، كان قبل أن يصل الى موقفه هذا العصيب، يسير قدما الى قمة الاكتمال الإنساني الأعلى، في سفرة خطرة كان مبدؤها الخلق و منتهاها الحقّ تعالى.
فكان يسير من الخلق الى الحقّ. و الآن و قد وصل القمّة، فعاد من الحقّ، حاملا للحقّ، الى الخلق[٢].
فساعة البعثة هي الفترة الحاسمة، و هي الحلقة الواصلة بين السفرتين الذاهبة و الراجعة، و هي موقف حرج، حاشا اللّه أن يترك حبيبه يكابد الأمرّين حينما بلغ قمة اللقاء و الآن يريد أن يختاره رسولا الى الناس، فيتركه يتلوّى في هواجس مخطرة، و يروّعه بتلك الصورة الفظيعة التي تكاد تذهب بنفسه الكريمة أو تستحوذ على عقله روعة المنظر الرهيب!!
[١] راجع سيرة ابن هشام: ج ١ ص ٢٥٢- ٢٥٥. و صحيح البخاري: ج ١ ص ٣- ٤. و صحيح مسلم:
ج ١ ص ٩٧- ٩٩. و تاريخ الطبري: ج ٢ ص ٢٩٨- ٣٠٣. و تفسير الطبري ج ٣٠ ص ١٦١. و حياة محمد( محمد حسين هيكل): ص ٩٥- ٩٦.
[٢] على ما جاء في تعبير الفيلسوف الإلهي، الحكيم صدر الدين الشيرازي تقدّم كلامه في ص ٥٧.