التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٠ - تجربة روحية
فَلا تَنْسى»[١].
و بهذا يتضح معنى الحديث الذي رواه ابن أبي سلمة عن عمّه، أنّه بلغه أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان يقول: «كان الوحي يأتيني على نحوين، يأتيني جبرئيل فيلقيه عليّ، كما يلقي الرجل على الرجل[٢]، فذلك الذي يتفلّت منّي. و يأتيني في شيء[٣] مثل صوت الجرس، حتى يخالط قلبي، فذاك الذي لا يتفلّت منّي»[٤].
قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): فذلك الذي يتفلّت منّي، أي الذي كان يكاد يتفلّت منه، لأنّه كان سماعا مباشرا من ملك الوحي، و سرعان ما ينسى الإنسان ما يسمعه من غيره إذا لم يعه وعيا. فهذا النمط من الوحي كان بمعرض النسيان و خوف التفلّت- كما هو شأن السماع المجرّد إذا لم يتقيّد بالكتابة في وقته- لا أنّه كان يتفلّت منه بالفعل. أمّا في صورة الوحي المباشر فحيث كان يخالط لبّه و ينفذ في أعماق قلبه الكريم، فلم يكن يخشى عليه التفلّت أصلا.
هذا و قد وقع بعض الباحثين، في خلط من هذا الحديث[٥] و رفضه آخرون. لكن المعنى على ما ذكرنا صحيح، توافقه سائر الأحاديث.
تجربة روحيّة:
رأينا من المناسب أن نأتي هنا بذكر شاهد واحد من مئات الشواهد، و التي مرّت الإشارة إليها على صحّة وجود النفس، و أنّ للإنسان روحا مستقلّة عن الجسم، و هي لا تنحلّ بانحلاله، و يمكنها الاتصال بعالم ما وراء المادّة ... و هي
[١] الاعلى: ٦.
[٢] أي كما يلقي الرجل بكلامه على صاحبه. و هذا هو الصورة الثانية مما تقدّم.
[٣] أي الوحي ذاته يأتيني بلا توسيط ملك. و هي الصورة الأولى ممّا تقدّم.
[٤] الطبقات: ج ١ ص ١٣١.
[٥] فتح الباري: ج ١ ص ١٨.